خنق مالي يستهدف «حزب الله» من كل الجهات
03-07-2025 11:11 AM GMT+03:00
لم تعد حوادث ضبط ملايين الدولارات النقدية في مطار رفيق الحريري الدولي مجرّد وقائع عابرة، بل تشكّل جزءًا من مشهد أوسع يُترجم انتقال الضغوط على «حزب الله» من الميدان العسكري إلى ميدان المال والتمويل، حيث باتت آليات الدعم المادي هدفًا مباشراً.
وفيما يُعتبر مطار بيروت اليوم "نقطة تماس دولية"، لموقعه الحساس كبوابة عبور محتملة لأموال قد تُستخدم لتمويل أنشطة على صلة بـ«الحزب»، تتكثف الإجراءات الأمنية والجمركية لرصد هذه الحركة غير المشروعة.
وأكد مصدر مطّلع لصحيفة «نداء الوطن» أنّ مديرية الجمارك لم تتبيّن بعد مصدر الأموال المضبوطة أخيراً، ولا وجهتها النهائية، مشيراً إلى أنّ هذه المبالغ محجوزة لصالح النيابة العامة إلى حين انتهاء التحقيقات.
آخر هذه العمليات تمثّل في ضبط مبلغ 8.2 ملايين دولار نقدًا موزّعة داخل ثلاث حقائب وصلت على متن رحلتين من كينشاسا واسطنبول. وأفاد مصدر قضائي أنه جرى توقيف ثلاثة لبنانيين أقرّوا بأنهم ينقلون الأموال لصالح رجال أعمال لبنانيين ينشطون في أفريقيا، ملمّحًا إلى أنّ المستفيدين من هذه العمليات باتوا معروفين.
كما سُجّلت حادثة منفصلة ضُبط فيها نحو 7 ملايين دولار في حقائب وصلت من دولة أفريقية على متن طائرة هبطت في مطار بيروت. وأفادت التحقيقات الأولية بأنّ أصحاب الحقائب ينتمون إلى بلدة جنوبية تعرّضت للقصف خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، ما دفع بمصدر مطّلع إلى التساؤل: "هل ترتبط هذه الأموال بتمويل إعادة إعمار المناطق الجنوبية؟".
وقد تولى مكتب الجرائم المالية التحقيق في القضية بتوجيه من حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، الذي أمر بإيداع الأموال في خزنة تابعة للمصرف المركزي.
ويأتي ذلك ضمن سلسلة متكرّرة من العمليات المماثلة، سبق أن تم خلالها ضبط 2.5 مليون دولار مع أحد الوافدين من تركيا، إلى جانب إحباط تهريب أكثر من 22 كيلوغراماً من الذهب. وتشير معلومات متقاطعة إلى أنّ كلّ هذه العمليات ترتبط بـ«حزب الله».
وتشير المعطيات إلى أن هذه الحوادث تتقاطع مع تحوّلات استراتيجية أوسع، بدأت منذ انكفاء النظام السوري عن لعب دور "رافعة مالية" للحزب، وتصاعدت مع العقوبات الأميركية والدولية، وصولاً إلى انفجار الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، التي زادت من عزلة شبكات التمويل التقليدية للحزب.
وبات مطار بيروت نفسه موضع سجال داخلي وضغط خارجي، وسط تحذيرات إسرائيلية متكررة باستهدافه إذا لم يتم ضبط حركته، واتهامات بالسيطرة الكاملة لـ«حزب الله» عليه قبل اندلاع "حرب الإسناد" في 8 تشرين الأول. في هذا السياق، يُعتبر المطار امتحانًا لمدى جدية الدولة اللبنانية في منعه من أن يكون معبراً مالياً.
وتؤكد مصادر متابعة أنّ ما يحصل يعكس مساراً متصاعداً لشلّ شرايين التمويل التي يعتمد عليها الحزب، من العملات النقدية إلى الذهب وشركات الصرافة التي تعمل تحت غطاء أنشطة تجارية مشروعة.
كما أن «حزب الله» – بحسب المصادر – بنى في السنوات الأخيرة منظومة تمويل موازية لتغطية العجز الناتج عن تراجع الدعم الإيراني المباشر، من خلال شبكات تجارية واقتصادية تنتشر في لبنان وسوريا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا.
وفي خضم هذا الصراع المالي، دخلت المعركة مرحلة أكثر علنية منذ اغتيال رئيس "صادق" للصرافة هيثم بكري، وظهور أسماء لشركات صرافة متهمة بتحويل الأموال لصالح الحزب، ما وسّع رقعة الضغط ليطال الهيكلية المالية والتنظيمية.
وفي هذا السياق، نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، خريطة "الآلية الإيرانية" لتحويل الأموال إلى «حزب الله»، مرفقة بلائحة بأسماء شركات صرافة لبنانية يزعم أنها تشارك في عمليات التحويل، منها: "الصادق" (هيثم عبدالله بكري)، "مكتف" (رامز مكتف)، "يارا" (محمد بدر بربير)، "مليحة" (حسين شاهين)، "الإنصاف" (علي حسن شمس)، و"عيّاش" (حسن محمد حسين عياش).
وبحسب مصدر متابع، فإن الأولوية الإسرائيلية – الأميركية اليوم هي خنق قدرة «حزب الله» على التمويل، باعتبار أن لا سلاح بلا تمويل، كما لا مقاومة بلا موارد.
من هنا، يُنظر إلى هذا الضغط المالي باعتباره المسار العملي الوحيد لتحقيق هدف تجريد الحزب من سلاحه، أو على الأقل الحدّ من نفوذه وإمكاناته، وسط تقارير تتحدث عن دور للمبعوث الأميركي توم براك في تمرير رسالة إلى الرؤساء اللبنانيين الثلاثة بشأن ضرورة الدخول في مسار تفاوضي لنزع السلاح مقابل مهلة زمنية.
وفي وقت يزداد فيه الحصار المالي، تبقى أوراق «حزب الله» محدودة، بين التهديد بإعادة بناء "المقاومة" وبين الانخراط في خطاب داعم لـ"الدولة".
ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح الحصار المالي في محاصرة الحزب أم أنه سيجد مسالك تمويل بديلة تحفظ موقعه وامتداداته؟
المصدر : نداء الوطن








