حذّر مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس من أنّ لبنان يعيش في "عنق الزجاجة" نتيجة خياراته السياسية وطريقة تعاطيه مع المبادرة الأميركية الأخيرة، معتبرًا أنّ الدولة اللبنانية تخلّت عن سيادتها وتحولت إلى "صندوق بريد" بين واشنطن وحزب الله، ما ينذر بمخاطر وجودية كبرى.


في إطلالته مع الإعلامي ربيع ياسين ضمن برنامج "مع المواطن"، وصف جرمانوس الموقف الرسمي اللبناني على الورقة الاميركية بأنه اعتراف ضمني بفقدان السيادة، إذ اكتفت الدولة – وفق تعبيره – بدور الوسيط بين الأميركيين وحزب الله، بدلًا من فرض سلطتها. واعتبر أن هذا السلوك جعل لبنان يدخل في "عنق الزجاجة"، وأضاف: "الأميركي لا يخاطب حزب الله مباشرة، بل يخاطب الدولة، ويقول لها: تفضلي، افرضي سيادتك، بينما الدولة تقول: أنا لست موجودة، أنا مجرد صندوق بريد".

وحول التصعيد الأخير في الجنوب والبقاع، رأى جرمانوس أنّه دليل على رفض إسرائيلي عملي لهذه الورقة، وأن المواجهات الميدانية قد تسبق أي جولة دبلوماسية جادة. ولفت إلى وجود تحالف موضوعي بين الولايات المتحدة والنظام العربي وإسرائيل لكبح طموحات إيران النووية و"قطع أذرعها" في المنطقة، مشيرًا إلى أنّ حزب الله يُعد أبرز هذه الأذرع.

وأكد أنّ حزب الله بات في موقع ضعيف استراتيجيًا بعد سلسلة تطورات أبرزها "خسارة النظام الإيراني لنفوذه الكامل في سوريا مع سقوط بشار الأسد وصعود الرئيس أحمد الشرع"، على حد وصفه. واعتبر أنّ الحزب بات "محاصرًا" في لبنان، سياسيًا، ماليًا وحتى جغرافيًا.

وهاجم جرمانوس بنية النظام اللبناني، واصفًا إياه بـ"الكيان الهجين والفاشل" الذي يعيش على الدعم الخارجي ويتحمل المجتمع الدولي كلفة إبقائه حيًا، من قوات اليونيفيل إلى الدعم المالي. وقال: "هذا كيان اصطناعي لا ينمو ولا ينضج، نحن نتخبط في العبثية منذ أكثر من نصف قرن، منذ اتفاق القاهرة عام 1969".

ورأى جرمانوس أنّ الحل الجذري هو اعتراف اللبنانيين باستحالة اندماجهم في نموذج موحد، واقترح خيارًا فيدراليًا أو "كونتونات" مناطقية طائفية على غرار النماذج السويسرية، معتبرًا أنه قد يكون السبيل الوحيد لتقليل الاحتكاك ووقف الابتزاز المتبادل بين الطوائف. وقال: "دعوا كل مكون يعيش هويته، نحن لا نقدر على الانصهار ولا حتى كتابة تاريخ مشترك".

في جانب آخر من حديثه، حمّل جرمانوس رئيس مجلس النواب نبيه بري مسؤولية كبرى في صياغة النظام الحالي، معتبرًا أنه "الحاكم الفعلي للبنان منذ 1984" وقائد "الدولة العميقة" المتحكمة بكل شيء من القضاء إلى الأمن والإدارة. وسخر من محاولات الحكومة ورئيسها في فرض سيادة الدولة، معتبرًا أنّ الدولة تواجه عقدة نقص تجاه الميليشيات منذ هزيمتها في الثمانينات.

ووصف المظاهرة الأخيرة في منطقة زقاق البلاط بأنها "رسالة ابتزاز واضحة" موجهة إلى رئيس الحكومة بأن الأرض تحت سيطرة حزب الله، وأن "بيئته قادرة على أخذ البلد إلى حرب أهلية ساعة تشاء".

انتقل جرمانوس للحديث عن الأزمة المالية، فحذّر من خطر تأميم الودائع بشكل غير معلن، وشبّه ذلك بما حصل في مصر وسوريا إبان حقبة التأميم، مؤكدًا أنه سيقضي على أي أمل باستعادة الثقة الاقتصادية. وقال: "لا حل إلا بهيركات منظم، عبر خطة تؤهل الودائع، وتضمن عدالة التوزيع، مع بيع جزء من الذهب وفرض مسؤوليات على المصارف".

كما انتقد بشدة أداء الدولة والسلطة التشريعية في ملف الودائع، مؤكدًا أن القانون الذي أُقرّ لرفع السرية المصرفية فُخّخ عمدًا وربط بمرسوم تطبيقي لم يصدر منذ ثلاث سنوات، ما يعكس غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح.

كما تطرّق جرمانوس إلى الانهيار التاريخي للقطاع المصرفي، مشيرًا إلى أنّه في العام 2004 كان أفضل من الإمارات، بينما اليوم لا أمل سوى بقطاع صغير على قدر الاقتصاد المنهار. وحمّل الرئيس السابق ميشال عون مسؤولية تدمير مقومات لبنان الأساسية: الكهرباء، السياحة، التعليم، والمصارف.

وفي ختام حديثه، اعتبر أنّ أي كلام عن إعادة إعمار لبنان وهم في ظل غياب قرار مركزي بالحرب والسلم، مستهجنًا فكرة بناء بلد على "رمال متحركة" في ظل سلاح منفلت وأجندات خارجية. وقال: "حتى الرئيس الحريري، رغم إنجازاته العمرانية، لم يكن يملك ضمانة أمنية جدية في ظل وجود الحرس الثوري وحزب الله".
وختم بتحذير من أن استمرار النموذج الحالي يعني تكرار الدمار، الفشل، والتهجير، من دون أي أفق لحل حقيقي ما لم تُبنى دولة ذات سيادة وقانون يحكم الجميع بلا تمييز.

لمشاهدة الحلقة كاملة:


المصدر : Transparency News