جعجع واللحظة اللبنانية الحرجة: قراءة سياسية وعسكرية في موقف "القوات اللبنانية"
11-07-2025 11:04 AM GMT+03:00
في لحظة شديدة التعقيد داخليًا وإقليميًا، برز موقف رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع في مقابلته الأخيرة ضمن برنامج "صار الوقت" كمحاولة واضحة لتثبيت بوصلة السيادة اللبنانية في وجه التفكك المؤسساتي، والتعديات المتكررة على القرار الوطني المستقل.
أولاً: مقاربة سيادية ثابتة
منذ ما قبل اتفاق الطائف، شكّل سمير جعجع خطّ تماس فكري وسياسي مع مشروع الدولة الفعلية، وليس الدولة الموازية أو الممسوكة بالسلاح غير الشرعي. واليوم، يعيد تأكيد هذا الخيار دون مواربة: لا دولة بوجود دويلة، ولا استقرار في ظل هيمنة فصائل عسكرية خارج المؤسسة الشرعية. هذا الموقف لا يأتي في إطار استقطاب داخلي، بل من حرص واقعي على استعادة المعايير السيادية التي بدونها يتعذّر أي مشروع إنقاذي حقيقي.
ثانيًا: رؤية أمنية تُقوّي الجيش
في تحذيره من الحوادث الأمنية المتكررة – من الجنوب اللبناني إلى شماله، ومن الاعتداءات المتكررة ضد قوات حفظ السلام، “اليونيفيل”، إلى التهديدات بإفشال أي محاولة جديّة لإنقاذ ما تبقى في هذه البلاد، بسبب تعنّت بعض الأفرقاء بآرائهم "الخنفشارية"، وعلى رأسهم حزب الله، يدفع جعجع باتجاه تمكين الجيش اللبناني كأداة وحيدة لضبط الأمن والدفاع. دعوته ليست إلى عسكرة الدولة، بل إلى دعم المؤسسة العسكرية ماليًا، سياسيًا، وتسليحيًا، كونها الضامن الوحيد لوحدة القرار الأمني.
من الناحية العسكرية، يُدرك جعجع – بخلفيته التاريخية في زمن الحرب – أن توازن القوى الداخلي لا يُبنى على الميليشيات بل على مؤسسة قادرة، محايدة، وموحدة. وهذا ما دفعه مرارًا إلى المطالبة برفع مستوى التنسيق الدولي لدعم الجيش، لا سيما في مواجهة التحديات على الحدود وفي الداخل.
ثالثًا: سياسة الواقعية لا الشعبوية
لا يمكن قراءة خطاب جعجع خارج سياق استراتيجيا "القوات اللبنانية" في السنوات الأخيرة: لا انقلابية، ولا استرضائية. بل هي مقاربة واقعية تحفظ توازن لبنان الهشّ، وتمنع سقوطه في فوضى السلاح أو وهم المحاور.
هو لا يطرح نفسه بديلاً "مخلّصًا"، بل لاعبًا سياسيًا ضمن تركيبة يريدها شفافة وحديثة ومبنية على المساءلة، بدءًا من رئاسة الجمهورية، إلى الحكومة، فالمجلس النيابي.
رابعًا: مشروع استنهاض لا تسوية
ما يطرحه جعجع ليس تسوية رمادية تعيد تدوير الطبقة السياسية، بل مشروع استنهاض حقيقي للدولة، يرتكز على ثلاثية واضحة: سيادة القرار الوطني الكامل دون التبعية لأي محور خارجي، تفعيل القضاء ومكافحة الفساد بطريقة مؤسساتية لا انتقائية، إعادة هيكلة الاقتصاد عبر سياسات إصلاحية مدروسة، لا عبر شعارات.
ويشكّل ذلك امتدادًا لموقف "القوات اللبنانية" الثابت من رفض أي مشروع لا يحمل برنامجًا سياديًا فعليًا، يخدم مصلحة لبنان وشعبه
وعليه، جعجع لا يطرح مشروعًا طوباويًا بل ممكنًا، وهو مشروع يوازن بين ضرورات الواقع وضرورات الحسم، بين الحفاظ على المؤسسات والسعي لتصحيح اختلالاتها. ولعل أبرز ما يميّز مقاربته الأخيرة أنها تضع الإصبع على الجرح من دون خطاب شعبوي، وتطالب بدولة لا تُستَخدَم، بل تخدم.
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








