حسين عطايا 


لا شك أن الطبقة السياسية اللبنانية، التي تُمسك بكل مفاصل الدولة قديمها وجديدها، لا يمكن أن تقوم بإنتاج قانون انتخابي يؤدي إلى نتائج لا تصبّ في صالحها. فجميع القوانين الانتخابية التي صدرت بعد اتفاق الطائف كانت مناقضة لهذا الاتفاق، وتشكل تعارضًا مع نصه وروحه. وهي، في معظمها، تمثل آليةً للمحافظة على مصالح الطبقة السياسية وإعادة إنتاج نفسها، بما يضمن بقاء الكتل النيابية ذاتها لتسيير المصالح التي تخدم هذه الطبقة في السيطرة على الحكم ومنع دخول نواب جدد قد يشكلون مقدمة لزعزعة سيطرتها على البلاد وتقاسم النفوذ والحصص.

من هنا، لا يمكن للمجلس النيابي الحالي، كما كل المجالس السابقة، أن يسعى إلى إنتاج قانون انتخابي عادل قد يساهم في تغيير ميزان القوى القائم أو يسمح بدخول نواب جدد يطيحون بالتوازن الذي رُسم منذ أربعة عقود. أي لا يمكن لهذا المجلس أن يقرّ قانونًا انتخابيًا يراعي عدالة التمثيل النيابي، ويكون بمثابة بوابة لدخول قوى وفعاليات سياسية جديدة قد تكون أحد أسباب الإطاحة بالستاتيكو الحالي، الذي منح الطبقة السياسية الديمومة والاستمرارية على مدى العقود الأربعة الماضية، في ظل رئاسة “الرئيس الأوحد” للبرلمان اللبناني منذ عام 1993 ولغاية اليوم.

لذا، من الضروري والواجب على قوى المجتمع المدني والسياسي التي تقع خارج اصطفافات المنظومة الحالية، والتي تهدف جديًا إلى النهوض بلبنان وتحقيق ما يسمى بالعدالة الاجتماعية، أن تسعى إلى تحقيق تمثيل حقيقي لقوى المجتمع، والتخلص من حصرية واحتكار القوى السياسية التقليدية لتمثيل الطوائف والعائلات الروحية والمناطق، وفتح الأبواب أمام كل القوى الحية والمعترضة في كل مكونات لبنان لتكون لها فرصة الوصول إلى الندوة البرلمانية. لعلّ في ذلك دفعًا لتجديد الحياة السياسية، وفتح المجال لدخول قوى سياسية جديدة ترفد الأحزاب والقوى التقليدية بدم جديد وروح جديدة، تساهم في تجديد الحياة السياسية والخروج بها من حالة الرتابة والتقوقع التي تعيشها. وفي ذلك قد يكون فتح آفاق جديدة للعمل السياسي في لبنان، وتجديد الفكر السياسي الذي يسيطر على المشهد منذ ما بعد اتفاق الطائف وحتى اليوم.

من هنا، فإن كل ما يُثار من عواصف حول تعديل أو تغيير قانون الانتخاب الحالي ليس أكثر من زوبعة في فنجان ستنتهي باتفاق بين مكونات الطبقة السياسية الحاكمة، مع بعض التعديلات الطفيفة التي فرضتها الظروف، وربما الحرب الأخيرة، والتي قد لا تكون ذات قيمة فعلية.

وبالتالي، فإن ما نشهده من اشتباك كلامي في اجتماعات اللجان النيابية، وعدم طرح مشاريع القوانين على النقاش الجدي، هو فقط جزء من اللعبة السياسية القذرة التي تمارسها أحزاب السلطة، والتي تتحكم بمفاصل الدولة وإداراتها وتحتكر الحياة السياسية. وهي بذلك تحافظ على ديمومة وجودها في السلطة وتقاسم الأدوار بين قواها وكتلها، وتذر الرماد في عيون الناس لإلهائهم بمعارك جانبية. وفي نهاية المطاف، عندما تقترب المهل الدستورية من نهايتها، تتخذ المنظومة قرارها بالتجديد لنفسها أو بإقرار ما يؤكد هيمنتها واحتكارها للتمثيل، لتبقى الأمور على ما كانت عليه.

من هنا، إذا لم تتحد القوى الحية في المجتمع، لن يتغير شيء. وستبقى الأمور على ذات المنوال، ويبقى نبيه بري على رأس المنظومة الحاكمة التي أنتجت على مدار العقود الأربعة الماضية كل مشاريع النهب للمال العام ومقدرات الدولة، واستمرار الفساد الذي نخر ولا يزال ينخر في الإدارة العامة وكل مفاصل الحياة في لبنان. وهذا ما لم تستطع حتى قوى الأمر الواقع خلال الحرب الأهلية البغيضة أن تقوم به أو تنفذه.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News