ديان سامر اللبان، طالبة ماجستير في الجامعة اللبنانية، وباحثة في مجال التنمية الاقتصادية والإجتماعية.


قمة بريكس السابعة عشرة، التي اختتمت أعمالها في 7 تموز 2025 في البرازيل، لم تكن مجرد تجمع سياسي، بل إعلان نوايا واضح لبناء نظام عالمي جديد، أكثر عدالة وفعالية. لكنها في الوقت ذاته تواجه اختبار الاستمرارية، ومدى قدرتها على ترجمة قراراتها إلى آليات تنفيذية تُحدث فرقاً ملموساً في حياة شعوبها. مستقبل بريكس سيُقاس ليس بما تقرره القمم، بل بما تنجزه المؤسسات.

أجمعت الدول الأعضاء في مجموعة بريكس على ضرورة إصلاح منظومة الحوكمة العالمية، عبر توسيع عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ليضم تمثيلاً أكبر من الدول النامية، لا سيما من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. كما دعت إلى مراجعة هيكلية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما يعزز من تمثيل الدول الصاعدة والنامية، دون المساس بمصالح الدول الأقل نمواً.

تتكاثر الوعود الفضفاضة من هذه القمم، ولكن تبقى العبر في التنفيذ!  في زمنٍ تتسارع فيه الكوارث المناخية، وتتعمّق فيه الهوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب، كان يُنتظر من منتديَي BRICS وCOP (والذي من المتوقع انعقاده بنسخته ال 30 في 21 تشرين الثاني 2025 وأيضاً في البرازيل) يُشكّلا رافعة لتصحيح المسار العالمي. الأول يُفترض أن يقدّم نموذجاً اقتصادياً جديداً بديلاً عن الهيمنة الغربية، والثاني يُعنى بإنقاذ الكوكب من الاحتباس والانهيار البيئي. لكن، وعلى الرغم من فخامة الخطابات، لا تزال بلدان الجنوب تتخبط في أزمات الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وتغيّر المناخ، وسط منصات دولية اختارت الفراغ بدلاً من الفعل.

جنوب العالم: من الهامش إلى النسيان
لطالما كانت بلدان الجنوب حاضرة في النصوص وغائبة عن القرارات. فـ قمة COP تُعيد سنوياً إنتاج وعود التمويل المناخي، ونقل التكنولوجيا، والعدالة البيئية، لكنها تتعثر عند التنفيذ. أما تحالف  BRICS، فقد بشّر بتوازن عالمي جديد، وعملات بديلة، وصندوق تنموي مستقل، لكنه لم يُترجم هذه الطموحات إلى أدوات حقيقية للتنمية أو العدالة الاجتماعية.
وفي حين ينهار الأمن الغذائي، وتزداد أعداد النازحين المناخيين، وترتفع موازنات الدفاع في بلدان لا يستطيع أطفالها تأمين وجبة يومية، يواصل قادة BRICS وCOP  اجتماعاتهم في الفنادق الفاخرة، بعيداً عن "أبناء الأرض الأقل حظاً"، الذين لم يلتفت إليهم أحد من صناع القرار.

التنمية مؤجلة لأجل غير مسمى
ما يحدث ليس مجرد فشل في التنسيق، بل تراجع عن المسؤولية. فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية تتطلب:
تمويلاً مستداماً لا يخضع للمزاج السياسي أو الهندسات المالية، بنى تحتية مناخية واجتماعية تراعي التغير البيئي والعدالة، وإرادة سياسية عالمية ترى في الجنوب شريكاً لا تابعاً.
لكن واقع الحال يشي بالعكس. فالموارد متوفرة، لكن توزيعها انتقائي. والإرادة موجودة، لكن مصبوغة بالمصالح. بلدان الجنوب يُطلب منها الالتزام بخفض الانبعاثات، دون أن تُمنح الأدوات للانتقال العادل. وتُدعى للانخراط في النظام العالمي، دون أن تُمنح مقعداً فعلياً على طاولة القرار.

تفريغ التنمية من معناها
عندما يتحوّل BRICS إلى مجرد تكتل احتجاجي لا ينتج حلولاً، ويتحوّل COP إلى منصة لتدوير الالتزامات القديمة دون ضمانات، فإن التنمية تصبح شعاراً بلا مضمون. كيف يمكن الحديث عن الاستدامة في ظل جوع، أو عن العدالة المناخية في ظل تهميش؟ كيف يمكن الترويج للحوكمة الدولية في وقت تُستثنى فيه أصوات الجنوب من النقاش الحقيقي؟
المطلوب: تحالف بديل من أجل تنمية حقيقية إذا كانت المؤسسات التقليدية قد فشلت، وإذا كانت المنتديات الجديدة تسير على خطاها، فلا بد من تفكير خارج الإطار. المطلوب ليس فقط نقد BRICS وCOP، بل الدفع نحو:

إعادة تعريف أولويات التنمية لتضع الإنسان والبيئة في الصدارة.
تعزيز التمثيل العادل لبلدان الجنوب في الهيئات الدولية.
إطلاق شراكات جنوب-جنوب حقيقية لا تعتمد فقط على رد الفعل.
بناء نظام تمويلي بديل يتجاوز شروط الدول الكبرى ويخضع للمساءلة.

من الفشل إلى التحرك
إن فشل BRICS وCOP لا يجب أن يكون نهاية الطريق، بل إشارة بداية لمسار تصحيحي. بلدان الجنوب لا تحتاج إلى تعاطف، بل إلى اعتراف بحقوقها، وفتح المجال أمامها لتقود نهضتها الاقتصادية والبيئية بنفسها. لقد آن الأوان لنكفّ عن انتظار الفرج من فوق، ولنبدأ بناء التنمية من القاعدة، بأدواتنا، وبقضايانا، وبإرادتنا.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News