الهجري يبدّد انتصاره: من زعامة درزية إقليمية إلى وصمة مجازر
19-07-2025 09:39 AM GMT+03:00
لم يكن ما حققه الشيخ حكمت الهجري في الأيام الماضية انتصارًا عاديًا. بتدخّل إسرائيلي واضح أجبر النظام على الانسحاب من السويداء، ظهر الهجري كرقم سياسي كبير، بل بدا للحظة كأنه في طريقه ليكون الزعيم الأبرز للدروز في سوريا ولبنان، وربما في عموم المنطقة. لحظة كانت تحمل فرصة نادرة للدروز، لصياغة دور جديد مستقل عن ثنائية النظام والمعارضة الأصولية، يجمع بين السيادة المحلية ورفض التطرف بكل أشكاله.
لكن ما حصل بعد ذلك، بدد هذا الإنجاز بل شوّهه. فالمجازر التي ارتكبها مقاتلو الهجري بحق مدنيين وأطفال من العشائر البدوية، بعد إعلان الهدنة وانسحاب قوات النظام والبدو، كانت صدمة مدوية أخلاقيًا وسياسيًا وعسكريًا. صور الأطفال المشقّفين، التي يرفض كثيرون عرضها لوحشيتها، تشي بجرائم لا مبرر لها سوى التلذذ بالعنف—فن المجازر للمجازر، كأنها "فن للفن".
في اللحظة التي كان يُفترض فيها أن يُتوّج الهجري قائدًا أخلاقيًا يُجسّد حكمة الجبل، اختار منطق الغلبة والتشفّي، فانهارت صورة "الحماية الدرزية" لصالح صورة "المجازر الدرزية". والنتيجة كانت كارثية: اجتياح مضاد من عشرات آلاف المقاتلين البدو في أقل من 24 ساعة، أتى على نصف السويداء. دماء المدنيين التي سفكت بلا مبرر استدعت دماءً مضادة، والحلقة الجهنمية انطلقت.
المفارقة المؤلمة أن الهجري، الذي ناشد نتنياهو بالأمس لإخراج قوات النظام، يناشد اليوم النظام ذاته للعودة والفصل بين البدو والدروز! المفارقة أن من تحدى النظام سقط في منطق النظام: المجازر لتثبيت السيطرة.
لقد أخطأ الهجري، لا فقط في الحسابات الاستراتيجية، بل في امتحان الضمير. أخطأ حين ظن أن الدم يرسّخ الزعامة، وأن الوحشية لا تكلّف. واليوم، سوريا كلّها، بدروزها وبُدُوها، أمام خطر انهيار جديد، لأن كل الخيارات صارت بين جزّارين.
وإذا كان النظام كارثة، فإن ردّه على المجازر لن يكون إنقاذًا. وإذا كان الانتصار على الشرع واجبًا، فلا يجوز أن يكون بجثث أطفال. السويداء، بثقافتها وتاريخها، أكبر من هذا الانحدار. والهجري فوّت فرصة الزعامة، حين ارتضى أن ينتصر كقاتل، لا كقائد.
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








