هيكلة الخسائر أم شرعنة الظلم؟ عندما يُلبَس الظلم عباءة الإصلاح في لبنان!
22-07-2025 11:53 AM GMT+03:00
في الظاهر، يبدو الحديث عن قانون لإعادة هيكلة الخسائر الناتجة عن الانهيار المالي في لبنان (قانون الفجوة المالية) كخطوة طال انتظارها ضمن مسار التعافي. فغالبية الدول التي شهدت أزمات مصرفية نظامية اعتمدت مثل هذه القوانين لضمان العدالة، وحماية المودعين، واستعادة الثقة. ولكن في لبنان، وكما في كثير من محطات "الإصلاح" السابقة، يكمن الشيطان في التفاصيل، بل في النوايا التي تحركها. فمشروع قانون الفجوة المالية، في صيغته المسربة، لا يعكس توجهاً نحو الإنقاذ بقدر ما يعكس محاولة للهروب من المحاسبة، وتفريغ القانون من مضمونه الأخلاقي، وتكريس مبدأ الإفلات من العقاب. وهنا يكمن جوهر المشكلة: نحن أمام عملية تجميل فني لواقع سياسي فاسد. سبعة نقاط أساسية:
المودع أولاً، ضحية لا أولوية. بدلاً من أن يكون القانون سداً يحمي حقوق المودعين، خصوصاً صغارهم، يتحول إلى منصة لمصادرة مدخراتهم، وإعفائهم من الحماية لصالح الدولة والمساهمين. ما يجري ليس سوى محاولة لتأطير شطب الودائع في قالب قانوني، يُحمّل الضحايا عبء ما جنته يد السلطة والقطاع المالي.
هندسات محاسبية لتعليق الذنب برقبة المودع. أن يُطلب من المودع أن يثبت مصدر أمواله، أو أن يعاد احتساب الفوائد التي تقاضاها في زمن سابق، فهذا يعكس وقاحة لم يسبق لها مثيل. والمفارقة أن هذه المصارف نفسها امتنعت عن تلبية أبسط حقوق المودعين، ورفضت تزويدهم بمعلومات أو تنفيذ أحكام قضائية. فمن يحاسب المصارف على فشلها في تقديم الخدمة؟ ومن يعوّض المودع عن خمس سنوات من الإذلال المصرفي، وغياب الفوائد، وفرض العمولات القسرية؟
الحياد المصرفي: تخاذل مقصود أم تمرّد منظم؟ في غياب أي إطار قانوني منظم، قررت المصارف اللبنانية من طرف واحد وقف السحب النقدي، وتجميد الأرصدة، والتوقف عن دفع الفوائد، دون إعلان الإفلاس أو الامتثال لأي رقابة. لم يُسأل أي مصرف عن مخالفة عقد الوديعة، ولم تفعّل السلطات الرقابية أي إجراء جدي. المصارف أدارت الأزمة بما يخدم مصالحها، لا مصلحة الاقتصاد أو المجتمع.
فجوة في الرأسمال وسراب الثقة. منذ اندلاع الأزمة، لم نرَ أي تحرك جدي لتعزيز رسملة المصارف. بل جرى تضليل الناس، عبر مصرف لبنان، بأن الودائع بأمان، في حين كانت البنوك تنزف. الفجوة في رساميل المصارف هي نتيجة لسوء إدارتها واستثمارها، لا ذنب المودعين الذين يُطلب منهم اليوم دفع الثمن.
الدولة متملصة. لا يمكن القفز فوق حقيقة أن الدولة اللبنانية، بصفتها المدين الأكبر، تتحمل مسؤولية مركزية في الانهيار. ومع ذلك، تتنصل من أي مساهمة في إعادة التوازن المالي. لا أصول تُرصد، ولا تعويضات تُطرح، ولا التزامات تُقر. الدولة تريد التعافي من جيوب الناس، لا من خلال تصحيح المسار.
شفافية مفقودة، ومحاسبة مغيبة. بعد سنوات من الحديث عن التدقيق الجنائي، لا يزال اللبنانيون بانتظار نتائج نهائية وموثقة من جهة مستقلة. وطالما ظل حجم الفجوة الحقيقي طي الكتمان، وظلت المسؤوليات موزعة على الجميع وبالتالي لا أحد، فلا يمكن الحديث عن إعادة هيكلة بل عن عملية تمويه جماعية.
سلطة الحل: من يُقسّم الغنيمة؟ في دول العالم المتقدم، تتم إعادة هيكلة الخسائر من خلال هيئات مستقلة مهنية، تحظى بصلاحيات قانونية وأخلاقية. أما في لبنان، فكل شيء يتم من خلال "الطباخين" السياسيين الذين يبحثون عن توزيع الغنائم، لا عن العدالة. ولهذا، لن تكون النتائج مختلفة هذه المرة: إصلاح مفرغ من الروح.
إذا مضى لبنان في هذا الاتجاه، فسيكون بذلك قد شرعن الظلم، وجعل من القانون أداة للتجريف لا للإنصاف. لا يمكن بناء تعافٍ اقتصادي على أنقاض الثقة، ولا يمكن للعدالة أن تقوم إذا ما أُعفي الجاني وسُحق الضحية.
مشروع قانون الفجوة المالية، بصيغته الحالية المسربة، ليس إصلاحاً. إنه جريمة تُحاك بلغة الإصلاح. ولأن اللبنانيين تعبوا من الشعارات، حان الوقت لقول الحقيقة كما هي: من دون مساءلة، كل الوعود بإصلاح هي وعود فارغة!
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : وكالات








