"رهف".. ديوانٌ كتبه قلبٌ يُجيد الإنصات للحياة
22-07-2025 04:33 PM GMT+03:00
رهف ليس اسمًا عابرًا في العنوان، بل هو مفتاحٌ للديوان كلّه. كلمةٌ من ثلاثة حروف اختزلت عاطفةً ممتدةً بين الحلم والحرمان، بين ما كان وما كان يُفترض أن يكون. رهف هي الغائبة الحاضرة، التي تمنح القصائد دهشتها، وتُلقي على النصوص ظلًّا من الحنين الشفيف.
القصائد تنبض بعاطفة نادرة الصفاء، تُشبه النُدرة حين يُكتب الشعر بنَفَسِ العاشق لا المتصنّع. لا استعراض في رهف، بل تدفّق وجداني صادق، يحمل القارئ كما يحمل النهر أوراق الخريف نحو شطآنٍ لا يعرفها، لكنه يثق في جمالها.
في قصائد مثل "أنا وأنت ولحن الوجود" أو "فيكَ أرغب"... يشفّ الكلام حتى يكاد يُرى، وتنكشف الذات الشاعرة بكامل وهجها، من دون أقنعة. وفي نصوص أخرى كـ "طفل غزّة" و"تاريخنا المزوّر"... يتبدّل الصوت ليُمسك بجمر الوطن، لا بجمر العاطفة فقط، ويكتب بحبرٍ ممزوج بالدمع والغضب.
ما يلفت في رهف هو هذه القدرة على الانتقال السلس بين الحنين الشخصي والحنين الجمعي، بين القصيدة كأغنية حبّ، والقصيدة كوثيقة ألم. الشاعر هنا لا يحدّ ذاته بقالبٍ واحد، بل ينطلق في كل الاتجاهات التي تمليها عليه روحه، فيكتب بحرية من يعرف أن الشعر فعلُ نجاة.
اللغة في الديوان ليست زخرفًا، بل كائن حيّ. الكلمات تختار مكانها بعناية العاشق، والتراكيب تنبني على إيقاعٍ داخلي خافت لكنه مؤثّر. حتى حين ينكسر الوزن، لا ينكسر الإيقاع، بل يبقى الحنين ناظمًا داخليًّا يقود النصوص إلى مرافئها الآمنة.
رهف هو ديوانٌ تسمَعه قبل أن تقرأه. له صوت. له نَفَس. له ظلّ طويل يرافقك بعد القراءة. هو تجربة وجدانية عميقة، يكتب فيها الشاعر ذاته، لا على طريقة الاعتراف، بل على طريقة من يسكب قلبه في قارورة بلاغة ويطلقها في بحر الشعر، علّ أحدًا يلتقطها ويشعر مثله.
هو ديوان الشاعر الذي ما زال يؤمن بأن الشعر يمكن أن يكون حبًّا، وطنًا، ذكرى، وصرخة، وبأن القصيدة حين تكون صادقة، لا تموت. بل تُصغي إليها "رهف" هناك، في الغيب، وتبتسم.
المصدر : Transparency News








