في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، تتباين مواقف الدول الأوروبية الكبرى إزاء مسألة الاعتراف الرسمي بدولة فلسطينية، بين تسريع الخطى كما تفعل باريس، والتحفظ الحذر كما هو الحال في برلين، وسط دعوات متزايدة لوقف إطلاق النار وتحقيق حل الدولتين.


ففي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الخميس أن فرنسا ستعترف رسمياً بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، سبتمبر/أيلول المقبل، مؤكداً التزام باريس بمبدأ حل الدولتين باعتباره المسار الوحيد نحو سلام دائم.

هذا الإعلان، الذي يمثل تحولاً ملموساً في السياسة الفرنسية، قوبل بانتقادات حادة من إسرائيل، التي وصفته بأنه "مكافأة للإرهاب"، فيما عبّرت الولايات المتحدة عن رفضها للخطوات الأحادية الجانب.

بريطانيا: الاعتراف "هدف مستقبلي".. والأولوية لغزة

أما في بريطانيا، فقد أكد وزير العلوم والتكنولوجيا بيتر كايل أن لندن "تؤيد الاعتراف بدولة فلسطينية في نهاية المطاف"، لكنه شدد على أن الظروف الحالية تفرض أولوية إنسانية ملحّة، تتمثل في تخفيف معاناة سكان غزة والتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم.

وفي تصريحات لشبكة "سكاي نيوز"، قال كايل:"نحن نرغب في قيام دولة فلسطينية، لكن علينا الآن التركيز على إنهاء المأساة الإنسانية، وهذا هو السبيل الأقرب لتحقيق أي حل سياسي طويل الأمد".

من جهته، أعاد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر التأكيد على أن "إقامة دولة فلسطينية حق أصيل للشعب الفلسطيني"، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار كخطوة أولى على طريق الحل السياسي.

كما وصف وزير الخارجية ديفيد لامي، خلال زيارته لأستراليا، الوضع في غزة بأنه "لا يمكن الدفاع عنه"، معرباً عن دعم لندن لمبادرات التهدئة.

برلين: الاعتراف يجب أن يكون "الخطوة الأخيرة"

في المقابل، اتخذت ألمانيا موقفاً أكثر تحفظاً، إذ أكّد متحدث باسم الحكومة الألمانية أن برلين لا تنوي في الوقت الحالي الاعتراف بدولة فلسطينية، موضحاً أن الاعتراف يجب أن يكون المرحلة الأخيرة في إطار تسوية شاملة تقوم على التفاوض.

وتُشدّد ألمانيا على أن أمن إسرائيل يمثل أولوية أساسية، وأن الخطوات الأحادية في ملف الاعتراف "لا تخدم مسار السلام الحقيقي"، مشيرة إلى ضرورة إيجاد حل سياسي متوازن يراعي جميع الأطراف.

روما: الاعتراف مشروط بالمثل

أما إيطاليا، فقد تبنّت موقفاً وسطاً، إذ أعلن وزير الخارجية أنطونيو تاياني أن الاعتراف بدولة فلسطينية يجب أن يكون متبادلاً، أي أن تعترف الدولة الفلسطينية المنشودة بدورها بإسرائيل كجزء من الحل.

وفي حديثه خلال اجتماع للحزب المحافظ في روما، قال تاياني: "دولة فلسطينية لا تعترف بإسرائيل تعني استحالة التوصل إلى حل سياسي واقعي"، مشدداً على أهمية الاعتراف المتبادل كأحد أركان التسوية.

موقف أوروبي منقسم وسط كارثة إنسانية

يأتي هذا الحراك السياسي في وقت يشهد فيه قطاع غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة، مع استمرار العمليات العسكرية وسقوط آلاف الضحايا، مما يدفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم مواقفها حيال القضية الفلسطينية، ضمن مناخ دولي متغير وضغط شعبي متصاعد.

وبينما تتجه بعض الدول الأوروبية نحو خطوات رمزية أو فعلية للاعتراف بدولة فلسطين، لا يزال الانقسام سيد الموقف، في غياب توافق شامل على توقيت وآلية الاعتراف، في ظل التعقيدات الميدانية والسياسية المستمرة.

 


المصدر : وكالات