كان صيف 2025 مبشّرًا بانتعاش سياحي طال انتظاره، مع توقعات بعودة السياح العرب والمغتربين، مدفوعة بأجواء التفاؤل السياسي النسبي. لكن التوترات الأمنية، وملف سلاح "حزب الله"، والطيران الإسرائيلي المستمر، سرعان ما أطاحت بالآمال، لتعود صورة لبنان "غير الآمن" وتطغى على المشهد. في هذا التحقيق، عرض شامل لتداعيات الأحداث على الموسم السياحي، من الواقع الميداني إلى غياب التشريعات، وما إذا كانت هناك فرصة للإنقاذ.


"كنا متأملين خيرًا بس يا فرحة ما تمّت"... هكذا يمكن تلخيص صيف 2025 الذي بدأ مبشرًا، مع إقبال المغتربين والسيّاح على الحجز منذ أشهر، على أمل أن يحمل "عهد التغيير" معه صيفًا واعدًا.
لكن المفاجأة جاءت من حيث اعتادت أن تأتي، من سلاح "حزب الله" الذي يرفض أي تنازل حتى في حال انسحاب إسرائيل، ومن تصريحات منقولة عن رئيس مجلس النواب نبيه برّي مفادها أنه لا يمكنه الوعد بنزع السلاح.

في المقابل، واصل الطيران الإسرائيلي تحليقه وضرباته في لبنان، متذرعًا برفض الحزب التسليم. هذه الأجواء دفعت الكثير من الزوار إلى إلغاء حجوزاتهم، لتعود البلاد إلى خانة "الوجهة غير الآمنة"، كما قال جورج، أحد السيّاح الذين فضّلوا اليونان على بيروت.

في هذا الإطار، يعود البروفيسور مارون خاطر إلى العصر الذهبي للسياحة في خمسينات وستينات القرن الماضي، حين وصلت مساهمة القطاع السياحي إلى نحو 20% من الناتج المحلي. ويستذكر أنّ العام 1974 شهد استقبال نحو 1.4 مليون سائح، كان لهم أثر مباشر على تعزيز الموقع المالي للدولة.

لكن منذ اندلاع الحرب، تدهورت الأوضاع السياسية وتلقّى القطاع السياحي ضربات متتالية. وبرأي خاطر، فإن ما حدث في صيف 2025 شكّل ضربة جديدة بعدما كانت الآمال معلّقة على رفع الحظر الجزئي عن سفر السياح العرب. وبسبب التوتّرات المستمرة، لم يُسعف الوقت القطاع لتعويض خسائره، خاصة مع الضبابية الأمنية.

خاطر يؤكد أن السياحة ليست مجرّد مصدر دخل ظرفي، بل من أهم مصادر التدفق النقدي بالعملات الصعبة، مشددًا على أن السياحة اليوم تقتصر على المغتربين الذين يشكّلون "شريان الحياة".

ويختم بالقول: "لبنان لا يستطيع الاستمرار في هذه الحلقة المفرغة. يجب أن يصبح دولة تحتكر السلاح، وتُدار من داخل مؤسساتها. فاقتصاد لا يقوم من دون استقرار سياسي وأمني فعلي".

من جهتها، قالت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود إن رفع الحظر الإماراتي شكّل نقطة تحوّل مهمة، خاصة أن السياح الخليجيين يشكّلون شريحة كبيرة من الزوّار. وأضافت أن الوزارة أعدّت خطة تبدأ بتأهيل الكوادر وتدريب الشرطة السياحية، لجعل لبنان وجهة سياحية على مدار السنة. كما توقّعت موسمًا نشطًا، استنادًا إلى جهود الحكومة وورقة العمل الإصلاحية التي أعدّتها الوزارة، لكن الواقع حتى اليوم يخالف التوقعات.

أما نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر، فأكّد أن القطاع الفندقي كان متفائلًا بعد حركة نشطة خلال عيد الأضحى، إذ وصلت نسبة الإشغال في بيروت إلى أكثر من 80%. لكن مع التصعيد الأمني، تبدّدت التوقعات، وشهد القطاع إلغاء جماعيًا للحجوزات خلال فترة لا تتجاوز 20 يومًا.

ويكشف الأشقر أن نسبة الإشغال اليوم تراوح بين 40 و50%، في حين كان يُفترض أن تكون بين 70 و80%. ويشير إلى أن السياحة الوافدة تقتصر على جنسيات محدودة، من لبنانيين وسوريين وعراقيين وأردنيين ومصريين، مع غياب السعوديين بسبب استمرار الحظر السياسي.

ويضيف أن الترويج السياحي لا يزال مجزّأً، ويغيب عنه التنسيق الوطني، ما يشكّل نقطة ضعف كبيرة. ولفت إلى أن بيروت تتصدر المشهد، تليها المناطق الساحلية، موضحًا أن الأمن يشكل التحدي الأكبر، رغم أن لبنان قادر على منافسة وجهات مثل اليونان وتركيا. ويختم برسالة إلى المغتربين: "أهلًا وسهلًا بكم، لبنان بانتظاركم".

من جهته، عبّر نيكولا، سائح فرنسي زار بيروت عام 2017، عن إعجابه بجمال البلاد، لكنه اختار هذا الصيف التوجه إلى قبرص بسبب الوضع الأمني. أما آنا، سائحة ألمانية زارت بيروت عام 2019، فقرّرت التوجه إلى جورجيا، رغم حبها للبنان وشعبه.

لكن خلف هذه الانطباعات، تبرز إشكالية قانونية خطيرة: لا يوجد إطار قانوني واضح لحماية السائح في حال تعرّض لأي ضرر نتيجة أحداث أمنية. فلا قانون سياحي عصري في لبنان، بل قوانين مشتتة بين مواد في قانون التجارة والأنظمة العامة، دون نصّ واضح يحدّد واجبات الدولة أو حقوق السائح.

وقد أُطلقت في السابق محاولات لإقرار قانون سياحي، أبرزها في عهد الوزير الأسبق فادي عبود، لكنها لم تُقرّ حتى اليوم.

وفي المقابل، تعتمد دول منافسة مثل جورجيا واليونان وتركيا تشريعات سياحية صارمة، توفّر آليات لحماية السائح، وتلزم مقدّمي الخدمات بالشفافية ومعايير الأمان، مع رقابة مستمرة.

هذا التفاوت في الإطارين القانوني والأمني يُصعّب على لبنان استعادة موقعه السياحي، ما لم تُتخذ خطوات جدية لضمان سلامة الزائر.

في النتيجة، يبقى لبنان بلدًا يملك مقوّمات الجذب لكنه يفتقد إلى أبسط معايير الحماية والاستقرار. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن تطوير استراتيجية سياحية وطنية من دون أمن وتشريع يضمنان حق السائح؟ الجواب، كما غيره من الملفات... معلّق بانتظار القرار السياسي.


المصدر : نداء الوطن