نادر الحريري يهزّ "الفريش": كيف دمّر "الاعتماد الوطني" آخر خطوط الدفاع عن الثقة؟
26-07-2025 11:12 AM GMT+03:00
بداية القصة أنّ أربعة مستثمرين لبنانيين باعوا عقاراتهم لمصرف "الاعتماد الوطني" بقيمة تقارب 8 ملايين دولار، بعدما أغراهم العرض بأنه سيساهم في رفع سيولة المصرف المتعثر، وبالتالي سيفتح الباب أمام مصرف لبنان لضخ أموال جديدة لقاء هذه الأصول. هكذا حصل: العقارات بيعت، الأموال دخلت، الحسابات فُتحت، والأرقام ظهرت على الورق. لكنّ ما لم يُحسَب، أن تلك الأموال لم تكن للمصرف أصلًا، بل لمالكي العقارات أنفسهم. ومع ذلك، امتنعت الإدارة المؤقتة، التي عيّنها مصرف لبنان لإدارة المصرف بشكل محايد، عن تحريرها، متذرّعة بأن نادر الحريري، أحد مالكي المصرف، يرفض الدفع. بهذه الحجة الساذجة، تحوّلت قضية استثمار قانونية إلى عملية اختلاس موصوفة تجري بتواطؤ من داخل الإدارة ذاتها، لا من خارجها.
الأخطر أنّ ما جرى لا يقتصر على الخلاف على تحويلات أو حسابات شخصية. القضية تضرب أقدس ما حاول مصرف لبنان الحفاظ عليه بعد الانهيار الكبير: مفهوم الـ"فريش دولار". هذه الدولارات، التي يتم تحويلها من الخارج أو سحبها نقدًا، وُضعت لها قواعد صارمة لفصلها عن "الدولارات المحجوزة" (لولار)، لضمان استمرار حركة السيولة في البلد، ولو ضمن إمكانات القطاع المصرفي وحدوده ضيّقة بعد الازمة. لكن ما فعله "الاعتماد الوطني" هو نزع القناع عن هذا التمييز: احتجاز أموال مودعين "فريش"، ومنعهم من التصرف بها، يعني ببساطة نسف مفهوم "الفريش" من أساسه.
إذا جُعل هذا الأمر سابقة، فإن بقية المصارف المتعثرة قد تجد فيه ذريعة جاهزة لإعادة اختراع الاحتيال: أموالكم "فريش"؟ نعم. لكنها "فريش" على الورق فقط. أما عند الطلب، فستُحال إلى "الشيخ نادر" أو من يحلّ مكانه في كل مصرف آخر.
ومن خلف هذه الفضيحة يقف رودولف عطالله، المدير المؤقت للمصرف، والذي يفترض أن يكون مندوبًا محايدًا لمصرف لبنان، مهمته الأولى حماية مصالح المودعين. لكنه تصرف كموظف صغير لدى أصحاب المصرف، متذرعًا بأن القرار ليس بيده، بل عند "الشيخ نادر". في بلد يحكمه الفساد والمحسوبيات، اعتدنا على مدراء يخضعون لأصحاب السلطة، لكن أن يخضع مدير مؤقت مُعيّن من قبل المصرف المركزي نفسه، فهذا يعني أن المنظومة تُعيد إنتاج نفسها حتى تحت إشراف من يُفترض أنهم "أوصياء الإصلاح".
لكن هذه المرة، يقف نادر الحريري وهشام عيتاني أمام نيابة عامة غير تقليدية، تديرها القاضية دورا الخازن. فالأخيرة، التي بات يُحسب لها أنها فتحت ملفات لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها، لن تمرر الملف بصمت. الدعوى المرفوعة من المستثمرين باتت في عهدتها، والنتائج قد تكون قاسية على المعنيين. فالمصرف، بدل أن يبيع من عقاراته الخاصة أو تلك التي يملكها المالكون، لجأ إلى أملاك الغير، ثم باعها لمصرف لبنان، وأوهمه أنه رفع السيولة بما لا يملك. إنها جريمة مزدوجة: تضليل المصرف المركزي، واختلاس موصوف لأموال مودعين.
هذا السلوك، لو انتشر، سيكون قاتلًا. إذ تُقدّر الأموال "الفريش" المحفوظة في المصارف اللبنانية بنحو 3 إلى 5 مليارات دولار، وهي الكتلة الوحيدة التي لا تزال تشكّل صمّام أمان نفسي للمودعين. ضرب هذه الكتلة، أو التشكيك في أمانها، هو بمثابة نسف لكل مقوّمات إعادة بناء الثقة. ولكل الجهود التي يقوم بها مصرف لبنان من أجل حماية الاقتصاد النظيف ومكافحة تبييض الأموال وتويل الإرهاب. مع كل قضية مماثلة، تتدهور سمعة القطاع أكثر وأكثر، ويغرق معه كل أمل أو خطوة يتخذها "المركزي" من أجل إنقاذ القطاع المصرفي ودفعه نحو برّ الأمان.
إنها ليست عملية احتيال على أربعة مستثمرين فقط. بل جريمة بحق القطاع بأكمله، وبحق كل مودع لبناني، وبحق فكرة الحدّ الأدنى من الثقة في بلد نخره الفساد، حتى وصل إلى "الفريش"... أمّا الأمل فيبقى معقوداً على قدرة القضاء في حسم هذا الملف وحفاظ حقوق اللبنانيين، وكذلك على مصرف لبنان بوصفه الجهة الناظمة والمديرة للقطاع المصرفي والعين الساهرة على حسن العمل فيه.
المصدر : Transparency News








