ليس رحيل زياد الرحباني حدثاً عابراً، بل لحظة يعيد فيها جيلٌ كامل اكتشاف ذاكرته. زياد ليس مجرّد فنان، بل وجدان مشترك صاغ وعينا النقدي وسخرنا من واقعنا، بكلماته، وموسيقاه، ومسرحه. بقي صوته حاضراً حتى حين غاب، وظل أثره ممتداً رغم قلّة إنتاجه في السنوات الأخيرة.


زياد الرحباني ليس مجرد فنان رحل فنرثيه، أو نودّعه عبر محطات مصوّرة ونواسي أنفسنا بوسامٍ يعلّق على نعشه. هو رفيق درب جيلٍ بأكمله، علّمنا كيف نضحك من قسوة الحياة، وكيف نلعب على الكلمات ونصنع من مرارة الواقع مادةً للسخرية. عبارات زياد تحوّلت إلى لازمة في وجدان كثيرين، حتى ممن لم يشاهدوا أعماله المسرحيّة يوماً، بل تعرّفوا إليها عبر الصوت، حفظوها وردّدوها مراراً.

مذهل كم استمعنا إلى مسرحياته مئات المرّات. وحين أتيحت لنا فرصة مشاهدة عملين مسرحيّين له صُوّرا بجودة تقنية متواضعة، ولأغراض أرشيفية لا جماهيرية، خرجنا من القاعة مبتسمين كمن حقّق حلمًا بعد طول انتظار. انتصارٌ صغير لعلاقة طويلة الأمد.

أحببنا زياد لأنه قال ما لم نجرؤ على قوله، بأسلوبه المتهكّم وسخريته اللافتة. ورغم غيابه عن الساحة الفنية لسنوات طويلة، بقيت مسرحيّاته حيّة، جزءًا من ذاكرتنا الجمعية. لم تُنسه الحروب ولا "السلم الفاسد"، ولا مزاجيته أو مواقفه السياسية المتقلبة. بل كان حاضراً في أذهان الجميع، حتى أولئك الذين يختلفون معه فكرياً أو دينيًا أو سياسيًا.

مع زياد سهِرنا في "سهريّة"، واحتسينا القهوة في "نخلة التنّين"، وسألنا "مين قال آه يا مدام؟". ومعه أدركنا أن البلد، غالباً، يشبه "النُزل" الذي يجمع تناقضات كثيرة، وأنه "إذا ما إجا ظالم بتجي جَربوعة". هذا البلد ظلم زياد كما ظلم كثيراً من المواهب النادرة.

علّمنا زياد كيف يحسب "موسيو أنطوان" الـ"نص كبسة"، وكيف يطل نجيب من "الطاقة مشرقط"، وتابعنا كيف ينتقل رامز من الباشورة إلى الحمرا، عبر التاكسي والـ"بيك آب". رأينا اللبناني يبيع كل شيء للخليجي، من النساء إلى القصائد والحقائب وحتى الأحذية، وعرفنا من هي "ثريّا"، الزوجة التي تمارس أقدم مهنة في التاريخ.

أظهر لنا زياد كيف أن كثيراً من الأحداث التي عشناها كانت بإخراج أميركي، ولا يزال "الفيلم الأميركي الطويل" مستمراً حتى اليوم. وتعلّمنا أن "رشيد المجنون" في مسرحيته أكثر عقلانية من كثيرين ممن حكمونا وقادونا إلى الخراب.

معه عرفنا أن بعض ما نعيشه "شي فاشل"، لكنّنا نرقص عليه. كما نرقص على "الدلعونا" و"الميجانا" التي لا نعرف أصولها. واكتشفنا أن "الجرّة" مرّت على سارقين كُثُر، وأن "السكس" بين المختار والصبية لا يعدّ عيباً في بلدٍ سُرقت فيه أموال الناس وأعمارهم.

لزياد جميل كبير علينا، من موسيقاه إلى مسرحيّاته، ومن حلقاته الإذاعية إلى مقابلاته التي حفظناها، لكنه مع ذلك لم يُقنعنا أن "لا صناعة ولا زراعة ولا مواد أولية في هذا البلد". بل بقي لدينا "الكرامة والشعب العنيد".

بلدٌ من دون زياد سيكون مختلفاً. فقد كان وحده القادر على انتزاع الضحكة من قلب الألم. كانت ضحكاته تُستخرج من الرأس لا من البطن. واليوم، زياد "فوق أو تحت، الله أعلم"، لكنه سيبقى فينا، نلعب معه بالكلمات ونسخر من هذه الحياة… حتى نغيب نحن أيضاً.

وما أضيق العيش… "لولا فسحة الأمل".


المصدر : وكالات