"خزان الشرق" يجف: أزمة المياه في لبنان تفوق كل التوقعات
30-07-2025 10:18 AM GMT+03:00
ومن أرض كانت تتنفس بالحياة، تحولت لبنان إلى مشهد من الجفاف القاسي، مع أنهار تجف، ومياه جوفية تنهار، وسدود تتحوّل إلى مشاريع فاشلة تُهدر كل ما تبقى من الأمل في إنقاذ المستقبل. لقد تخطت الأزمة حدود نقص الموارد المائية لتصبح علامة على انهيار دولة بكاملها، حيث تتفاقم مشاكل التلوث وتزايد التحديات المناخية، مع غياب تام لأي حلول بيئية جادة.
وفي هذا السياق، حذر الخبير البيئي، البروفيسور ضومط كامل، في تصريح لصحيفة "الديار" من أن عام 2025 سيشهد الجفاف التام في معظم دول منطقة شرق البحر المتوسط، بما في ذلك لبنان. فقد تقلصت المتساقطات إلى أقل من نصف معدلاتها المعتادة، فيما تراجعت الثلوج إلى ارتفاعات متدنية جداً لا تتجاوز 1500 متر، مقارنةً بما كان يحدث سابقاً حيث كان معدل هطول الثلوج يصل إلى 11 مرة في السنة ويغطي مناطق منخفضة فوق سطح البحر.
ومع تصاعد الأزمة، وصلت أزمة المياه إلى مرحلة غير مسبوقة في العام الحالي، حيث تقلصت طاقة الينابيع إلى أقل من 20% من قدرتها، وأصبحت مياه الأنهار لا تُستخدم سوى كمجارٍ للصرف الصحي. أما المياه الجوفية، فقد تلوثت بشدة نتيجة تسرب مياه البحر وارتفاع نسبة الملوحة، مما زاد من حدة الوضع الكارثي. الوضع البيئي في لبنان لم يعد مجرد مشكلة في الموارد، بل أصبح تهديداً حقيقياً للإنسان والحياة البرية.
وقد تشهد الأشهر القادمة تفاقمًا كبيرًا في التلوث المائي، مع غياب تام لأي خطط حكومية فعّالة للتعامل مع هذه الكارثة، مشيراً إلى خطر جفاف الغابات وتضرر الثروة الحرجية بشكل لا يمكن تحمله.
أزمة التلوث في مياه الصهاريج
تتجاوز آثار الأزمة البيئية لبنان إلى معيشة المواطن اليومية، حيث دفع المزارعون الثمن الأغلى هذا العام بسبب غياب الأمطار الموسمية التي كانت أساسية لزراعة المحاصيل. وقد تضررت محاصيل الكرز والعنب والأفوكادو بشكل غير مسبوق، ما ألحق أضرارًا اقتصادية ضخمة بالمزارعين.
لكن أخطر ما في هذه الأزمة هو تلوث مياه الصهاريج، والتي أصبحت المصدر الأساسي للكثير من العائلات في غياب شبكات المياه العامة. إلا أن الصهاريج، في غياب الرقابة، تُملأ بمياه ملوثة وغير صالحة للاستخدام، وقد تحتوي على بكتيريا ومعادن ثقيلة، كما أن المياه الجوفية أصبحت محملة بالملوحة بفعل تسرب مياه البحر. هذا يؤدي إلى تحويل المنازل إلى بؤر صحية ملوثة، وتهدد صحة المواطنين بمخاطر صحية كبيرة.
لبنان في مواجهة التصحر
مع التوقعات بتناقص حاد في معدلات الأمطار والثلوج خلال السنوات المقبلة، تحذر التقارير البيئية من أن لبنان قد يواجه تصحراً تدريجياً قد يؤدي إلى تحوله من أرض خصبة إلى صحراء جافة، وتدمير أراضيه الزراعية وإفقار التنوع البيولوجي. إذا استمرت هذه الوتيرة، قد تصبح البلاد عرضة لفقدان الغابات، وتقلص المساحات الزراعية، وتهديد الأمن الغذائي.
إن هذه التغيرات لن تقتصر فقط على البيئة، بل ستؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد والمجتمع اللبناني، وستدفع المزيد من العائلات إلى الهجرة بسبب قلة الموارد. ولا يُمكن التعامل مع هذه الأزمة كمجرد نقص في المياه، بل يجب النظر إليها باعتبارها تهديداً وجودياً حقيقياً.
حاجة ماسة لإجراءات عاجلة
في ضوء هذه التحذيرات البيئية، أصبح من الضروري أن يتحرك لبنان بسرعة لمواجهة هذا التحدي. لا يمكن أن تستمر هذه الحالة من الإهمال الرسمي، ويجب أن تُتخذ خطوات عاجلة لتفعيل سياسات بيئية مستدامة وإعادة بناء البنية التحتية للمياه. من دون هذا التحرك الجاد، سيجد لبنان نفسه في مأزق خطير قد يفقد فيه كل مقومات الحياة.
إن المعركة من أجل إنقاذ لبنان بيئيًا هي معركة من أجل الحياة ذاتها.
المصدر : وكالات








