يدخل لبنان مرحلة مفصلية مع انطلاق مهلة الـ120 يوماً الحاسمة، وسط تحذيرات من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية خطيرة. المهلة هذه المرة غير قابلة للتأجيل، وتترافق مع مؤشرات على استعدادات إقليمية ودولية لمواجهة محتملة. وفي ظل استمرار حالة الإنكار المحلي، تلوح في الأفق سيناريوهات قاتمة تتطلب مراجعة وطنية عاجلة وفصل المسارات اللبنانية عن المحاور الخارجية.


مع انطلاق مهلة الـ120 يوماً، يقف لبنان أمام مرحلة شديدة الدقة والخطورة، يتوقف عليها مصيره السياسي والأمني والاقتصادي. فرغم تشابه هذه المهلة مع سابقاتها شكلاً، إلا أنها تختلف عنها مضموناً: هذه مهلة غير قابلة للتمديد، تتدرّج خطواتها من ضغوط سياسية واقتصادية إلى إجراءات أمنية وعسكرية، تُنذر بخريف ساخن يجري التحضير له منذ أشهر.

ما يزيد المشهد تعقيداً هو أن الظروف الراهنة في لبنان لا تختلف كثيراً عن تلك التي سبقت اندلاع المواجهة في تشرين الثاني 2024. لا تزال الذهنية السائدة لدى السلطة قائمة على الإنكار والتعويل على تدخل خارجي، دون أي مبادرة فعلية لإحداث تحول جذري في المشهد. وإذا لم يُصار إلى مراجعة شاملة، لا سيما في ملف السلاح، فإن القادم يحمل في طياته سيناريوهات شديدة القسوة.

المهلة المطروحة اليوم ليست ثابتة أو رمزية، بل ديناميكية وذات طابع تنفيذي، حيث تبدأ بضغوط ديبلوماسية، تليها عزلة اقتصادية، لتصل في النهاية إلى إجراءات أمنية قد تتطور إلى مواجهة مفتوحة، تتجاوز في حجمها ونطاقها ما جرى في خريف 2024، وربما حتى ما حصل في حرب تموز 2006.

الاستعدادات الإقليمية والدولية تجري على قدم وساق. اللاعب الرئيسي الذي يتحكم بمفاتيح الحرب يجهّز نفسه ميدانياً، فيما يقف لاعب ثانٍ في الخلفية، بانتظار الفشل المحتمل للأول لتولي زمام الأمور. هذا المشهد لا يترك مجالاً للشك: نحن أمام مناخ حرب، لا مجرد ضغوط سياسية أو اقتصادية.

الأخطر أن الجهات اللبنانية المعنية، لا سيما تلك الممسكة بملف السلاح، لا تزال تتصرف وكأن شيئاً لم يتغير، وتعتمد على حليف إقليمي مثقل بالأزمات. أما العزلة الدولية والعربية فقد أصبحت شبه دائمة، والانهيار الاقتصادي بات جزءاً من الحياة اليومية للبنانيين.

حالة الإنكار لا تقتصر على النخب السياسية، بل تمتد إلى بعض الأوساط الشعبية التي تعيش على وهم الاستقرار الهش، دون وعي بأن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة تماماً، لناحية الدمار وحجم الدماء.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن تفادي الأسوأ؟ نظرياً، نعم. لكن عملياً، لا مؤشرات على وجود نية جادة لإطلاق مراجعة وطنية صريحة. المطلوب هو الاعتراف بأن السلاح غير الشرعي أصبح عبئاً داخلياً وخارجياً، والبدء بفصل لبنان عن المحاور الإقليمية التي دفعته نحو العزلة والانهيار.

تشير معلومات إلى أن الأسبوع المقبل سيشهد محاولة حكومية لتدارك الوضع، لكن المعطيات توحي بأنها ستكون شكلية. التجارب السابقة أظهرت بوضوح قدرة الطبقة السياسية على إنتاج مبادرات ظرفية لا تصمد أمام أول اختبار جدي، وهي اليوم تكرر الأسلوب ذاته: تقاذف للمسؤوليات، تلويح بالأخطار دون خطط واقعية، وانشغال بالمصالح الفئوية.

لم يعد من المجدي الرهان على الوقت. المهلة الحالية قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنان من الانفجار الشامل، عبر تسوية سيادية تعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وتخرج البلاد من دوامة المحاور.

لبنان اليوم على حافة هاوية أعمق من كل ما سبق. والانفجار المقبل، إن وقع، سيكون الأشد دماراً منذ عقود. ما بعد تشرين الثاني 2024 سيكون مختلفاً، ما لم تتحقق مراجعة جدية. حينها، قد تكون الكلفة باهظة... دم ودمار بلا سقف.


المصدر : وكالات