الدولار وأسعار الفائدة الأميركية: كوابح خفية في طريق التنمية في الدول الفقيرة
03-08-2025 11:09 AM GMT+03:00
فيما تتصدر سياسات البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي) عناوين الصحف العالمية، تترنح اقتصادات الدول الفقيرة في الظل، متأثرة بقرارات لا تصدر من وزاراتها، بل من واشنطن. وبينما يُناقش سعر الفائدة الأميركي في سياق التضخم، والنمو، والديون، فإن آثاره تتعدى الحدود، لتُقيد خطط التنمية في بلدان لا تملك سوى هامش ضئيل من الحركة، ولا تملك عملة عالمية تُصدرها، ولا مؤسسات مالية دولية تتبع أجندتها.
حين ترتفع الفائدة في واشنطن، تنكمش التنمية في العالم الفقير
منذ بداية دورة التشديد النقدي في الولايات المتحدة، ارتفعت كلفة الاقتراض عالمياً. الدول النامية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي، وجدت نفسها تُقترض بفوائد أعلى، أو تُقصى من السوق تماماً. كل زيادة في الفائدة الأميركية تُترجم إلى:
- خدمة دين أغلى، ما يعني تقليص ميزانيات الصحة والتعليم والبنية التحتية.
- نزوح رؤوس الأموال، حيث يفضّل المستثمرون الأمان والعائد في أميركا على المخاطر في العالم النامي.
- ضغط على العملات المحلية، ما يرفع كلفة الاستيراد، ويؤجج التضخم المحلي.
والأخطر من ذلك أن هذه التداعيات ليست ناتجة عن اختلالات محلية، بل عن قرارات تُتخذ بعيداً، لا تراعي الفوارق بين نيويورك ونجامينا أو بيروت أو كراتشي.
عندما يتحول الدولار من عملة إلى أداة ضغط
لقد تحوّل الدولار، بفضل سياسات وزارة الخزانة الأميركية، إلى أداة سياسية تُستخدم لمعاقبة الدول وفرض أجندات. وهذا الواقع يُربك الأنظمة المالية في الدول الفقيرة، ويُخيف المستثمرين، ويُعرقل التجارة والتحويلات.
بلدان كثيرة في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية لم تعد تشعر بالأمان في استخدام الدولار، لكنها في الوقت نفسه لا تملك بديلاً جاهزاً. أما مؤسساتها المالية، فهي إما تُمنع من التعامل بالدولار مباشرة، أو تُجبر على المرور عبر أطراف ثالثة تفرض شروطها، ما يزيد الكلفة ويُطيل المهل.
في هذه البيئة، تصبح التنمية أشبه بالسير في حقل ألغام، تُهدد فيه المشاريع بالعقوبات، ويُخيف فيه الدولار أكثر مما يُطمئن.
الديون تصبح عبء يتضخم بسعر الفائدة
العديد من الدول الفقيرة تعاني من ديون خارجية ضخمة مقومة بالدولار. ومع كل رفع في سعر الفائدة من قبل الفيدرالي الأميركي، ترتفع كلفة هذه الديون، وتضيق الخيارات أمام الحكومات. فإما تقشف وخفض للإنفاق الاجتماعي، أو تخلّف عن السداد، أو اللجوء مجدداً إلى مؤسسات التمويل الدولية بشروط أكثر قسوة. وهنا يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة:
ديون تُعيق الاستثمار، تقشف يُقلّص الإنتاج، ونمو ضعيف يُعمّق الفقر.
من يدفع الثمن؟ الفئات الأضعف دائماً
التأثير لا يطال الحكومات فقط. المواطنون، وخصوصاِ في المجتمعات الهشّة، هم من يدفع الثمن:
- تراجع في فرص العمل، مع انسحاب الاستثمارات وتأخر المشاريع.
- ارتفاع في الأسعار، نتيجة ضعف العملة وكلفة الاستيراد.
- ضعف في الخدمات، بسبب ضغط الدين على الموازنات.
وهكذا، تتحوّل السياسات النقدية في دولة غنية إلى عامل فقر إضافي في دول تعاني أصلاً من نقص في الموارد والقدرات.
نحو نظام أكثر عدلاً؟
إذا كانت التنمية هدفاً عالمياُ مشتركاً، فلا بد من إعادة النظر في آليات صنع القرار النقدي العالمي.
- يجب أن تراعي المصارف المركزية الكبرى آثار قراراتها على الدول الأضعف.
- ويجب خلق أدوات تمويل بديلة، تُمكّن الدول النامية من تنفيذ مشاريعها دون الوقوع تحت رحمة أسواق الدين العالمية.
- ويجب على المجتمع الدولي دعم مبادرات التنويع النقدي، والتخلي التدريجي عن الاعتماد المطلق على الدولار.
فالعدالة النقدية شرط للتنمية المستدامة، تماماً كما العدالة الاجتماعية.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








