بعد خسائر حزب الله في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وتبدّل موازين القوى داخليًا وخارجيًا، تتسع دائرة الرفض لاستمرار احتفاظ الحزب بسلاحه، وسط مطالبات واسعة بتسليمه للدولة اللبنانية. المقال يرصد السياقات التي جعلت سلاح الحزب عبئًا لا مبرر له، ويُحلّل التحولات التي أسقطت "المحرّمات" القديمة، في ضوء تغير المعادلات الإقليمية والدولية.


لم تعد اعتراضات "حزب الله" على تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية مجدية، بعدما سقطت جميع الذرائع التي لجأ إليها لتبرير احتفاظه بالسلاح عقب تحرير الجنوب في العام 2000. فشعارات "المقاومة" التي تغطّت بها قيادة الحزب انهارت أمام الوقائع، بعدما خاض حرب تموز 2006 ثم تورّط في دعم "حركة حماس" في حرب غزة الأخيرة بقرار إيراني، ومن دون تنسيق مع الحكومة اللبنانية أو الشعب اللبناني.

السلاح الذي وُصف يومًا بـ"الردع"، أصبح مصدر تهديد مباشر للبنان، بعدما تسبب في تدمير مناطق بأكملها، وتهجير مئات الآلاف داخل لبنان وخارجه، وأوقع خسائر بشرية واقتصادية فادحة. الأسوأ من ذلك، أن هذا السلاح أدى إلى إعادة احتلال إسرائيل لمناطق لبنانية كانت محررة، في مشهد معكوس تمامًا عن مزاعم "حماية السيادة".

رغم هذه الوقائع، يخرج أمين عام الحزب نعيم قاسم بمواقف تصعيدية، محذّرًا من ردات فعل في الشارع في حال وافقت الحكومة على تسليم السلاح للدولة. ووفق خطابه، يُطرح جدول أعمال مغاير، يشترط الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار قبل أي نقاش في سلاح الحزب، متجاهلًا أن الوضع قد تغيّر تمامًا بعد حرب الإسناد، وخصوصًا بعد رضوخ الحزب للضغوط الإسرائيلية ووقفه الأعمال العدائية.

ورغم التهديدات المتكررة بإطلاق "وابل من الصواريخ" إذا شنّت إسرائيل حربًا شاملة، يتجاهل الحزب الضربات اليومية التي تطال مواقعه وقياداته ومخازن أسلحته، والتي لم يردّ عليها. ويبقى السؤال: لماذا لم يُستخدم هذا السلاح في ذروة حرب غزة لتفادي الكارثة السياسية والعسكرية التي لحقت بالحزب؟

على مدى عقدين، كانت المطالبة بنزع سلاح "حزب الله" من المحرّمات. وكان كل من يطالب بإنهاء مبررات السلاح بعد التحرير، يتعرض للتهديد أو الاغتيال، كما حصل مع عدد من الشخصيات الوطنية. لكن اليوم تغيّرت المعادلة. فبعد اغتيال الأمين العام حسن نصرالله (بحسب النص)، وسقوط نظام بشار الأسد، وتلقي إيران ضربات أميركية وإسرائيلية موجعة، تراجعت قدرة الحزب على استخدام التهديد كوسيلة للردع السياسي.

تقلص نفوذ "حزب الله" بشكل حاد، خصوصًا مع خسارة سوريا كخط إمداد استراتيجي، ومع تبدل المواقف الدولية والعربية الرافضة لاستمرار واقع "السلاح غير الشرعي". لم تعد الشعارات والذرائع القديمة صالحة، وبات واضحًا أن الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، بدعم عربي ودولي، تتجه نحو فرض سلطتها الكاملة، في ما يُعد نهاية "المحرّمات" حول سلاح الحزب.


المصدر : اللواء