يعيش لبنان تجربة دولرة غير رسمية تفتقد لأي استقرار أو حماية، حيث يتحمّل المواطنون أعباءً ثقيلة من دون الاستفادة من مزايا الدولرة الحقيقية. منذ تثبيت سعر الصرف عام 1997، فقد لبنان أدوات حماية اقتصادية مهمة، مما دفعه للانجراف في فوضى نقدية يصعب إصلاحها، في ظل مصالح قوية تعيق خطوات الإصلاح.


يشهد لبنان اليوم أسوأ أشكال الدولرة الممكنة: تحمل كامل الأعباء دون الاستفادة من أي مزايا. فالدولرة غير الرسمية في لبنان لا توفر استقراراً في الأسعار، ولا تحمي ودائع المودعين، ولا تدعم سياسة نقدية واضحة. فالسؤال الأبرز: من يستفيد من هذه الفوضى؟ ولماذا تظل إصلاحات الإطار النقدي مؤجلة إلى ما لا نهاية؟

منذ عام 1997، حين تم تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية عند 1507.5 ليرة مقابل الدولار، فقد لبنان أداته الأساسية لامتصاص الصدمات الاقتصادية، وهي مرونة سعر الصرف. ونتيجة لذلك، تحولت السياسة النقدية إلى مهمة واحدة: الدفاع عن هذا الربط بأي ثمن، حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالاقتصاد الحقيقي.

لم يعد النقاش يدور حول التخلي عن المرونة مقابل الدولرة، إذ إن المرونة لم تعد موجودة منذ عقود. المطروح اليوم هو: هل نواصل تثبيت "مرساة مكسورة" أم نواجه التكلفة الباهظة للانجراف في منطقة رمادية نقدية؟

على مدى سنوات، أي أزمة سياسية أو انخفاض في التحويلات أو صدمة في أسعار النفط كانت تضرب الاقتصاد اللبناني مباشرة. إذ لم يكن بالإمكان خفض قيمة العملة لتحفيز الصادرات أو حماية النمو. وتراجعت السياسات النقدية والمالية إلى عكس الدورة الاقتصادية، حيث تم رفع أسعار الفائدة لجذب ودائع جديدة في أوقات التباطؤ الاقتصادي، وزيادة الإنفاق في فترات الرواج بدلاً من بناء احتياطيات نقدية.

وبالتالي، أصبح لبنان يعمل كما لو أنه مُدولَر بالكامل من دون وجود إطار مؤسسي يحميه.

أما في الواقع اليومي، فتغيب الدولرة الرسمية وتحل محلها دولرة غير رسمية: الدولار هو العملة الفعلية في التسعير والادخار وحتى في تحصيل الضرائب والرسوم. هذه الحالة تحولت إلى خليط من أسعار صرف متعددة، ودائع مجمدة في المصارف، ونظام دفع مشوّه، وثقة شبه معدومة.

كل سلبيات الدولرة موجودة من دون أي مزايا: لا استقرار في الأسعار، ولا إطار قانوني يحمي المودعين، ولا سياسة نقدية واضحة. هذه الحالة الهشة تمنح أفضلية واضحة لمن يملكون وصولاً حراً إلى الدولار، من تجار كبار ومضاربين وأصحاب رؤوس الأموال، مروراً بالصرافين وشبكات النفوذ السياسي المرتبطة بالمصالح المالية. هؤلاء يستفيدون من فروقات الأسعار وغياب إطار موحد، بينما تدفع الغالبية ثمن الفوضى من خلال مدخرات مجمدة وقوة شرائية متآكلة. ولهذا، قد يفضل البعض بقاء الوضع على ما هو عليه، تحت ضغط القيود والعزلة الدولية، بدل الانخراط في إصلاحات حقيقية تهدد مكاسبهم.


المصدر : وكالات