داني كرشي


لم يعد خافياً على أحد أنّ الجيش السوداني والحكومة المتمركزة في بورتسودان تحوّلا إلى سلطة قمعية فاقدة للشرعية، تنتهك حقوق الإنسان وتُمعن في التنكيل بشعبها تحت غطاء “مكافحة التمرد”. الحقيقة الصادمة التي تكشفها تقارير المنظمات الحقوقية أنّ هذه السلطة تسير وفق أجندة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وتستنسخ أساليبها المعروفة: التخوين، الإرهاب الفكري، الاعتقال العشوائي، والفبركة الإعلامية. والنتيجة واحدة: مزيد من الدماء، ومزيد من العزلة، وانهيار ما تبقى من صورة السودان في الداخل والخارج.

 

وتؤكد تقارير موثقة أنّ بورتسودان والجيش السوداني يقودان حملات اعتقال تعسفية واسعة، تستهدف كل من يجرؤ على انتقاد سلطة الإخوان. آلاف المدنيين تم اعتقالهم تحت تهمة “التعاون مع قوات الدعم السريع”، وهي تهمة فضفاضة لا تستند إلى أي دليل قانوني.

المشهد أكثر قتامة حين نعلم أنّ هؤلاء المعتقلين يواجهون محاكمات صورية لا تلتزم بأبسط المعايير القضائية، لينتهي الأمر بأحكام إعدام أو مؤبد، في استنساخ مفضوح لمحاكم التفتيش.

 

هذا الواقع المظلم جعل من حياة السودانيين جحيماً يومياً، حيث يعيشون بين مطرقة الاعتقالات وسندان الإعدامات الميدانية. بل إنّ تقارير عديدة تحدّثت عن تنفيذ إعدامات جماعية في بعض المناطق بدافع إثارة الرعب، وإيصال رسالة إلى الشعب مفادها: “كل من يقف ضد الإخوان هو هدف مشروع للتصفية”.

 

قمع العمل الإنساني

 

لم يكتفِ جيش بورتسودان باضطهاد المدنيين، بل انتقل إلى حرب مفتوحة على المبادرات الإنسانية المستقلة.

غرف الاستجابة الطارئة (ERRs) ومطابخ المجتمع، التي شكّلت شبكة إنقاذ حقيقية لمئات الآلاف من الجوعى والنازحين، باتت هدفاً مباشراً لحملات السلطة.

 • تسجيل قسري يفرض على كل مبادرة تطوعية.

 • رسوم باهظة تُفرض على فرق الإغاثة، كشرط للعمل.

 • اعتقالات متكررة للمتطوعين، بحجة “العمل خارج القانون”.

 

الهدف واضح: السيطرة على المجال الإنساني بالكامل، وتجفيف أي مبادرة مستقلة. وهكذا يصبح الجوع أداة سياسية، والمساعدات الإنسانية ورقة ابتزاز.

 

“التعاون”.. التهمة الجاهزة

 

منذ أشهر، أطلق الجيش السوداني حملة “أبلغ عن متعاون”، التي تحوّلت إلى أداة لتصفية الحسابات.

يكفي أن يكون شخص ما منتمياً إلى قبيلة معينة أو معروفاً بمعارضته للإخوان ليُتهم فوراً بأنه “متعاون”، ويتم اقتياده إلى المعتقل، حيث ينتظره مصير مجهول بين التعذيب أو الإعدام.

 

بهذه السياسة، زرعت سلطة بورتسودان الخوف بين الناس، وحوّلت المجتمع إلى شبكة تجسس متبادلة، تماماً كما فعلت أنظمة الاستبداد الأكثر وحشية في التاريخ.

 

الفضيحة الإعلامية: الطائرة المزعومة في نيالا

 

ولأن القمع الداخلي لا يكفي وحده، لجأت سلطة بورتسودان إلى الفبركة الإعلامية كأداة جديدة، مستعينة بخبرة الإخوان المسلمين في الكذب والتضليل.

 

القصة تبدأ مع إعلان الجيش السوداني أنّه أسقط طائرة إماراتية في مطار نيالا تقل “مرتزقة كولومبيين”. لكن سرعان ما انكشف المستور:

 • الصور المنشورة تعود لطائرة مدنية تابعة للخطوط اليمنية في قصف قديم لمطار صنعاء.

 • لم تُعرض أي جثث أو بقايا حطام، ولم يُقدَّم أي دليل ملموس.

 • الإمارات نفت المزاعم بشكل قاطع، معتبرة أنها مجرد حملة تضليل.

 

هذه الفضيحة لم تفضح بورتسودان فحسب، بل كشفت تورط الإخوان المسلمين في دعم حملات إعلامية ممولة من أوروبا وأمريكا، حيث تُجمع الأموال باسم “مساعدة الفقراء” بينما تُحرق على شراء الذمم وتمويل التضليل.

 

تصعيد ضد الإمارات.. عزل السودان عربياً

 

العداء الذي أظهرته سلطة بورتسودان تجاه الإمارات لم يمر مرور الكرام. فبعد اتهامات ملفقة بدعم قوات الدعم السريع، قرر السودان قطع علاقاته الدبلوماسية مع أبوظبي، فيما ردّت الإمارات بحظر الطيران السوداني.

 

لكن هذه الخطوة عادت على السودان بمزيد من العزلة:

 • فقدان أحد أهم الشركاء العرب الداعمين للاستقرار.

 • إثارة غضب الرأي العام العربي، الذي يرى في الإمارات رمزاً للاعتدال والاستثمار في الاستقرار.

 • تكريس صورة السودان كدولة رهينة لخطاب الإخوان المتطرف.

 

الأهداف الخفية لحملة الأكاذيب

 

ما الهدف من فبركة قضية الطائرة، ومن شيطنة الإمارات؟ ببساطة:

 1. إلهاء الداخل السوداني عن الجرائم المرتكبة ضد المدنيين.

 2. شيطنة الدول المعتدلة التي تقف ضد مشروع الإخوان وإيران في المنطقة.

 3. محاولة يائسة لاستدرار التعاطف الدولي عبر اختلاق “بطولات” وهمية.

 

لكن النتيجة كانت عكسية: انكشف زيف الحملة بسرعة، وارتدّ السحر على الساحر.

 

موقف الإمارات.. نقيض الإخوان

 

في مقابل خطاب الكراهية والفبركات، يبرز الموقف الإماراتي المتماسك:

 • دعوة متكررة لوقف الحرب وحماية المدنيين.

 • رفض الانجرار إلى الفبركات، مع تأكيد الالتزام بالعمل العربي المشترك.

 • إصرار على مواجهة التطرف، سواء جاء بلباس الإخوان أو عبر وكلاء إيران.

 

وهذا الموقف يلقى صدى واسعاً داخل السودان نفسه، حيث عبّر كثير من السودانيين عن امتعاضهم من عداء بورتسودان للإمارات، معتبرين أنّها تمثل الدولة العربية الأكثر حضوراً في دعم استقرار السودان.

 

سلطة تحتضر

 

حكومة بورتسودان وجيشها يلفظان أنفاسهما الأخيرة. فقد فشلا في كسب الحرب على الأرض، وفشلا في إقناع الداخل، وفشلا في إقناع الخارج. لم يبقَ لهم سوى فبركات إعلامية مكشوفة، وجرائم ضد الإنسانية سيُحاسبون عليها عاجلاً أو آجلاً.

 

أما الشعب السوداني، فقد بات أكثر وعياً من أي وقت مضى بأن هذه السلطة لا تمثله، بل تمثل أجندة الإخوان المسلمين وحلفائهم الإقليميين. وفي المقابل، تتسع دائرة القوى العربية المعتدلة – وعلى رأسها الإمارات – لتشكل الحصن الأخير في وجه مشروع التخريب الإخواني والإيراني، الذي يريد تحويل السودان والمنطقة إلى ساحة للفوضى والجهاد العالمي.


المصدر : Transparency News