بإعلانه العودة النهائية إلى بيروت، يفتتح النجل الأكبر للرئيس الشهيد رفيق الحريري مرحلة جديدة تحمل في طياتها تحديات جسيمة، على المستويين الشخصي والسياسي. فهذه العودة ليست عابرة ولا ظرفية، بل خيار استراتيجي يرافقه ثبات في المواقف ورؤية مختلفة، مستندة إلى معطيات إقليمية ودولية يحرص على إبقاء تفاصيلها طي الكتمان، لكنه يؤكد أن التطورات في لبنان وسوريا والعراق ستتلاقى في مسار واحد وبوتيرة متسارعة.


في منزله الكائن في وسط بيروت، يستقبل بهاء الحريري وفودًا من العاصمة والمناطق، فاتحًا أبوابه للحوار والنقاش. يجلس مع الإعلاميين بلغة مباشرة تختلف عن المألوف: لا مجاملات ولا مسايرات، بل طرح واضح ومواقف قاطعة. يوقف النقاش أحيانًا ليعيد تصويب الأفكار، لكن بلياقة وودّ، ما يوحي بوجود نهج جديد أقرب إلى ثورة فكرية هادئة، هدفها وضع الإصبع على الجرح والاعتراف بالأخطاء والبحث عن المخارج.

الحريري لا يتردد في توجيه النقد الحاد للمرحلة الماضية، سواء للمقرّبين أو للخصوم، واضعًا في رأس أولوياته إعادة إحياء ما يسميه “الحريرية الوطنية”، التي يعتبرها ملكًا لجميع اللبنانيين وليست حكرًا على الطائفة السنية. في لقاءاته، يكرر استحضار والده الشهيد رفيق الحريري، ليؤكد أن إرثه ليس مجرد ذاكرة عائلية بل حضور دائم في وجدان الوطن.

ومع اقتراب أيلول، موعد العودة المقررة، تبرز أمام بهاء الحريري مهمات صعبة. فهو لا يسعى إلى بناء حزب تقليدي بقدر ما يعمل على صياغة شراكات مع شخصيات وفعاليات متنوعة، في مختلف المناطق، بما يعكس توجهًا نحو تأسيس إطار جامع يتجاوز الانقسامات الضيقة ويبحث عن مساحات مشتركة.

وفي موازاة ذلك، يولي الحريري الإعلام موقعًا أساسيًا في مشروعه، مؤكدًا مرارًا أن لا عمل سياسي يمكن أن ينجح من دون الإعلاميين، الذين يصفهم بقادة الرأي ومرآة المجتمع. هذه القناعة تكشف وعيًا عميقًا لدور الرأي العام في رسم مسار المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل دقة الظرف الذي يمر به لبنان.

العودة المرتقبة في أيلول لن تكون مجرد محطة شخصية، بل اختبار سياسي يتجاوز بهاء الحريري نفسه ليطال الحياة السياسية اللبنانية برمتها. فالتحديات كبيرة، والطريق مليء بالمطبات، لكن المؤشرات توحي بأن الرجل عازم على المضي قدمًا في مسيرة تصحيحية جديدة، يأمل كثير من اللبنانيين أن تفتح أفقًا مختلفًا، وتضع حدًا للاختلالات والأعوجاج الذي راكمته المرحلة الماضية.


المصدر : Transparency News