ما إن أطلّ رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون في مقابلته الأخيرة عبر شاشة قناة العربية، حتى اشتعلت منصّات حزب الله الإعلامية. لم يكن مضمون المقابلة سوى تأكيد بديهي على أنّ السلاح يجب أن يُحصر بيد الدولة اللبنانية وفق اتفاق الطائف والدستور، وأنّ قرار الحرب والسلم ليس من حق فصيلٍ أو جماعة مهما كان شعارها. لكن هذه الرسالة البسيطة، التي ينتظرها اللبنانيون منذ عقود، تحوّلت في عقل الحزب إلى جريمة سياسية تستدعي حملة منظمة هدفها التشويه والابتزاز .


الرئيس أعطى فرصة

منذ اليوم الأول لعهد جوزيف عون، لم يتصرّف على قاعدة التصعيد. لم يدخل القصر وفي جيبه خطاب المواجهة أو شعار كسر العظم، بل اعتمد منهجاً مختلفاً: منح الحزب سبعة أشهر كاملة كمهلة زمنية لفتح نافذة تفاوضية. هذه الفترة كان يفترض أن تُستثمر لبلورة صيغة تدريجية لحصر السلاح بيد الدولة، ومعالجة ملف الصواريخ والمخازن بطريقة تحفظ الاستقرار الداخلي.

لكن ما الذي حصل؟ الحزب لم يتجاوب، ولم يقدّم أي مبادرة بنّاءة. على العكس، استغلّ هذه المهلة لالتقاط أنفاسه وإعادة تنظيم صفوفه، ثم ما لبث أن انقلب على الرئيس بحملات تحريضية، كأنّ منحه فرصة الحوار صار ذنباً، وكأنّ أي مطالبة بتطبيق الدستور تُعدّ خيانة للمقاومة. هنا تحديداً، خسر الرئيس من رصيده السياسي لأنه اختار الحوار على حساب المواجهة، ومع ذلك وُوجه بالخيانة بدل الشراكة .

إعلام مأجور… وأجندة مكشوفة

حملة الحزب لم تقتصر على بياناتٍ مباشرة. بل تجنّدت قنوات وصحف ومواقع ممولة من الحزب لتصوير الرئيس كأنّه أسير مستشارين “ورّطوه” في مواقف كيدية. هذه الاستراتيجية ليست جديدة: كل من يجرؤ على نقد السلاح يُصوَّر كأنه أداة بيد الخارج، أو أسير أجندات غامضة. الحقيقة أنّ المأزق ليس في خطاب الرئيس، بل في واقع السلاح غير الشرعي الذي يكبّل الدولة.

الإعلام الممول من الحزب يمارس اليوم أبشع أنواع التضليل: يهاجم الرئيس بدل مناقشة مضمون طرحه، يفتعل قصصاً عن مستشارين وولاءات، ويتجنّب الإجابة على السؤال المركزي: لماذا يُصرّ الحزب على الاحتفاظ بترسانة عسكرية توازي جيشاً داخل الجيش، وتتناقض مع أبسط قواعد السيادة؟ 

معركة على الرأي العام

الرئيس جوزيف عون لم يقل شيئاً يجهله اللبنانيون. كل مواطن يعلم أن الدولة عاجزة عن فرض سلطتها بسبب فائض القوة لدى حزب الله. لكن الجديد أنّ الرئيس قال هذه الحقيقة بصوتٍ عالٍ من على منبرٍ عربي واسع، كاشفاً أنّ لبنان يريد أن يعيش بسيادته بعيداً عن إملاءات إيران وأذرعها. هنا يكمن سرّ الغضب: لأول مرة يسمع الرأي العام العربي والدولي رسالة رسمية لبنانية واضحة لا لبس فيها، مفادها أنّ زمن المساكنة بين الدولة والدويلة شارف على نهايته.

ردّ الحزب كان هستيرياً لأنه أدرك أن محاولاته تلميع صورته تنهار أمام حقيقة أنّ رئيس الجمهورية نفسه يضع إصبعه على الجرح. لذلك تحوّلت الحملة إلى معركة على الرأي العام: الحزب يحاول عبر إعلامه تشويه صورة الرئيس، بينما الأخير يراهن على صدقية خطابه واستعداد اللبنانيين للالتفاف حول مشروع الدولة.

خسارة الرصيد

صحيح أنّ الرئيس خسر جزءاً من رصيده السياسي لأنه اعتمد التدرّج ومنح الحزب فرصة لم يحسن استثمارها. وصحيح أنّ بعض اللبنانيين انتقدوا صبره وتأنّيه. لكن هذه الخسارة لا تعني هزيمة، بل تُظهر أنّه اختار الطريق الأصعب: التغيير من داخل المؤسسات، لا المغامرات الشعبوية. لقد أثبت أنّ مشروعه ليس ارتجالياً بل مبنياً على واقعية سياسية، وأنّ المواجهة مع الحزب ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة بناء الدولة.

الحزب وأزماته

الحملة الإعلامية على الرئيس تكشف أيضاً مأزق الحزب. فهو يعيش حالة حصار داخلي وخارجي:
    •    داخلياً، لم يعد قادراً على إقناع اللبنانيين بأن سلاحه يحميهم، بعدما صار هذا السلاح سبب العزلة والانهيار.
    •    خارجياً، يواجه ضغوطاً عربية ودولية متزايدة تهدف إلى إخراج إيران من لبنان وتقليص نفوذها.

وسط هذا المشهد، يصبح استهداف الرئيس ضرورة للحزب، لأنه آخر ما تبقى له من وسيلة دفاعية: إعلام مأجور يحاول تحويل الأنظار عن الأزمة الحقيقية.

الحملة التي يشنّها حزب الله على الرئيس جوزيف عون ستزول عاجلاً أم آجلاً. هي مجرد ضجيج إعلامي مأجور هدفه صرف الانتباه عن حقيقة يعرفها اللبنانيون والعالم: لا دولة مع سلاح خارج الشرعية. أما الرئيس، فموقفه ثابت، وخطابه السيادي لن يهتز مهما اشتدت الحملات.

لقد أعطى الحزب سبعة أشهر لمعالجة الملف، فكان الرد خيانة وتشويهاً. واليوم يثبت أنّ رهان الرئيس على مشروع الدولة أقوى من كل الماكينات الدعائية. من يهاجمه إنما يكشف خوفه من المستقبل، لأنّ ساعة الحقيقة اقتربت: لبنان لن يبقى أسير دويلة، ورئاسة الجمهورية لن تُرهبها أبواق مأجورة مهما علا صراخها.