فضيحة "مطار نيالا": سلطة بورتسودان تلجأ للفبركة الإعلامية.. هذه حقيقة مزاعم الطائرة الاماراتية
19-08-2025 09:11 AM GMT+03:00
في خضمّ الحرب السودانية، لم تعد المعارك تقتصر على الجبهات العسكرية وحدها، بل امتدّت لتتحوّل إلى حرب إعلامية شعواء تُستخدم فيها الأكاذيب والفبركات كسلاحٍ لا يقلّ خطورة عن القذائف والرصاص. آخر هذه الأكاذيب تمثّل في رواية سلطة بورتسودان التي زعمت أنّ الجيش السوداني أسقط طائرة إماراتية في مطار نيالا كانت تقلّ مقاتلين كولومبيين لصالح قوات الدعم السريع.
هذه القصة لم تكن سوى فبركة مكشوفة جاءت عقب فشل ذريع للسلطة في مساعيها الدبلوماسية، حين ردّت محكمة العدل الدولية في لاهاي شكواها ضد دولة الإمارات، معتبرةً الادعاءات بلا أي أساس قانوني أو واقعي. الصفعة الدولية لم تترك لبورتسودان سوى سلاح التضليل، محاولةً في يأسها الأخير ضرب سمعة الإمارات وتشويه دورها في السودان، لكن النتيجة كانت فضيحة كبرى انكشفت سريعاً للرأي العام المحلي والدولي.
دحض الأكاذيب
في مواجهة هذه الافتراءات، جاء بيان قوات الدعم السريع ليضع النقاط على الحروف. البيان نفى بشكل قاطع وجود أي طائرة إماراتية في مطار نيالا أو تعرّضها للاستهداف، مؤكداً أنّ المدينة ومطارها الحيوي محميّان بمنظومات دفاع جوي متطوّرة صدّت كل المحاولات السابقة لاختراق أجوائها.
البيان وصف رواية بورتسودان بأنّها مجرد مزاعم لا أساس لها من الصحة، واعتبرها جزءاً من حرب إعلامية يشنّها فلول النظام البائد للتغطية على هزائمهم الميدانية المتكرّرة. وبذلك، تحوّل البيان إلى وثيقة رسمية ومرجع لا غنى عنه لكل من يبحث عن الحقيقة بعيداً عن ضوضاء الإعلام المأجور.
ولم يقف الأمر عند الدعم السريع. إذ خرج مسؤول إماراتي ليكذّب الرواية، مؤكداً أنّها “ادعاءات باطلة وتفتقر إلى أي دليل”، وطالب الخرطوم بإبراز أي إثبات واحد إن كان لديهم. الموقف الإماراتي جاء صارماً، وفضح بوضوح أنّ ما تسوّقه سلطة بورتسودان لا يعدو كونه جزءاً من حملة تضليل ممنهجة.
تفكيك الرواية المفبركة
تحليل التفاصيل التي رافقت هذه الحملة يكشف حجم التضليل ويبرهن أنّ القصة مختلقة بالكامل:
1. غياب الأدلة المادية:
لم تُقدّم بورتسودان أي صورة أو مقطع مصوّر يثبت سقوط الطائرة. لم نرَ حطاماً، ولا جثثاً، ولا حتى وثيقة واحدة تثبت وجود “مرتزقة كولومبيين”. في زمن الهواتف الذكية والبث المباشر، يصبح غياب أي دليل بصري على حادثة بهذا الحجم أكبر فضيحة بحد ذاتها.
2. تضارب في الروايات:
الإعلام الموالي للسلطة لم يتفق حتى على توقيت الحادث. البعض زعم أنّه وقع صباحاً، آخرون قالوا مساءً. مثل هذا التخبط يعكس غياب سيناريو متماسك ويفضح أنّ القصة مفبركة على عجل.
3. الصور والفيديوهات المزيفة:
وصلت المهزلة إلى ذروتها حين تبيّن أنّ الصور التي نُشرت تعود إلى حادث قصف إسرائيلي لمطار صنعاء في اليمن، وتُظهر طائرة مدنية تابعة للخطوط اليمنية! مشاهد أخرى اتضح أنّها مقتطفة من ألعاب فيديو حربية، في استهزاء بعقول السودانيين والمجتمع الدولي.
4. غياب أي تأكيد مستقل:
لا الأمم المتحدة، ولا أي جهة دولية، ولا حتى كولومبيا نفسها أكدت وجود ضحايا كولومبيين كما ادّعت بورتسودان. الرئيس الكولومبي شخصياً أبدى استغرابه وطالب بالتحقق من صحة المزاعم، ما زاد الطين بلة وأحرج مروّجي الأكذوبة أكثر.
النتيجة النهائية: قصة على الرمال، انهارت فور تعريضها لأبسط معايير التحقق.
سجل طويل من الأكاذيب
فضيحة “طائرة نيالا” ليست الأولى من نوعها، بل هي جزء من منهج ثابت تتبعه سلطة بورتسودان منذ اندلاع النزاع:
• اتهامات وهمية ضد الدعم السريع: مراراً اتهمت بارتكاب مجازر في مناطق لم يتواجد فيها أصلاً، ليتضح لاحقاً أنّ المزاعم كاذبة.
• إعادة تدوير صور قديمة: عشرات الصور من اليمن وسوريا وليبيا نُشرت على أنّها لضحايا سودانيين. وكل مرة كان النشطاء يفضحون الحقيقة بسرعة.
• مزاعم تسليح خارجي: أبرزها اتهام الإمارات بتزويد الدعم السريع بطائرات مسيّرة وصواريخ. لكن حين جرى رفع القضية إلى محكمة لاهاي، سقطت بالكامل لعدم الاختصاص وبسبب غياب الأدلة. الحكم شكّل إدانة دولية رسمية لبورتسودان وأكد أنّها تستخدم الكذب كسلاح سياسي.
هذا السجل الحافل جعل إعلام السلطة فاقداً للمصداقية في أعين السودانيين، وكل ما يصدر عنه يُقابل بالتشكيك والسخرية.
أهداف الفبركة
لماذا تلجأ بورتسودان إلى هذه الأكاذيب؟ الإجابة تكمن في البعد السياسي والاستراتيجي:
• ضرب العلاقات مع الإمارات: أبوظبي تُعد من أبرز الداعمين للسلام في السودان، سواء عبر مساعداتها الإنسانية أو جهودها الدبلوماسية. استهدافها إعلامياً يهدف إلى تقويض هذه العلاقة وجرّ السودان إلى عزلة جديدة.
• تنفيذ أجندة الإخوان: تنظيم الإخوان المسلمين وحلفاؤه الإقليميون هم العقل المدبّر وراء هذه الحملات. الهدف هو تشويه صورة الإمارات ودول الاعتدال العربي التي تقف في وجه مشروعهم الراديكالي.
• استخدام المال السياسي: تقارير موثوقة أكدت أنّ منظمات مرتبطة بالإخوان في أوروبا وأميركا تجمع تبرعات بحجة دعم الفقراء، لكن الأموال تُضخ في حملات تضليل إعلامي ضد الإمارات ودول عربية أخرى.
مصدر عربي مطّلع كشف أنّ الحملة حول الطائرة المزعومة “تم إعدادها في غرف مظلمة مرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان، بتمويل مباشر من جهات إقليمية”، مؤكداً أنّها ليست سوى مناورة إعلامية فاشلة لتعويض الخسائر على الأرض.
أكاذيب تسيء للسودان
المفارقة أنّ هذه الحملات لا تسيء للإمارات بقدر ما تسيء لسمعة السودان. فحين يرى العالم دولة تُلقي اتهامات ضخمة دون دليل واحد، فإنّ صورة السودان هي التي تتضرر، ويُنظر إلى سلطته كسلطة فاقدة للشرعية والمصداقية. كما أنّ هذه الأكاذيب تعمّق عزلة البلاد عن محيطها العربي، في وقت يحتاج فيه السودان بشدّة إلى الدعم السياسي والاقتصادي من أشقائه.
حقائق لا يمكن إنكارها
بينما تنشغل سلطة بورتسودان بفبركة الأكاذيب، تواصل الإمارات دورها الإيجابي والملموس على الأرض. فهي لم ترسل سلاحاً ولا مرتزقة، بل أرسلت:
• جسراً جوياً إغاثياً لإيصال المساعدات الإنسانية.
• مستشفى ميدانياً في تشاد لعلاج اللاجئين السودانيين.
• مبادرات دبلوماسية لوقف إطلاق النار وحماية وحدة السودان.
هذه الحقائق الدامغة تقلب الرواية رأساً على عقب: الإمارات التي تدعو للسلام وتغيث المدنيين لا يمكن أن تكون في الوقت نفسه متورطة في حرب بالوكالة كما يزعم إعلام السلطة.
رسالة إلى الرأي العام
القضية هنا ليست مجرد كذبة إعلامية عابرة، بل هي مثال صارخ على خطورة حملات التضليل الممنهجة. على الرأي العام العربي والدولي أن يتعامل مع هذه الأكاذيب بحذر، وألّا يسمح لها بتقويض العلاقات بين الدول العربية أو بتشويه سمعة الشعوب.
المطلوب اليوم هو فضح الأكاذيب وكشف مصادرها للرأي العام، وتحصين المجتمعات ضد خطاب التضليل الذي تتبنّاه التنظيمات المتطرفة.
لقد أثبتت فضيحة “طائرة نيالا” أنّ حبل الكذب قصير، وأنّ حملات التضليل مهما تموّلت ومهما تكرّرت، سرعان ما تنكشف وتعود وبالاً على أصحابها. سلطة بورتسودان اليوم تواجه لحظة الحقيقة: إما التوقف عن استخدام الإعلام كسلاح رخيص، أو الاستمرار في هذه المسرحيات التي لا تجلب لها سوى الخزي وفقدان ما تبقى من مصداقيتها.
أما الإمارات، فستبقى – كما أثبتت الوقائع – دولة اعتدال واستقرار، داعمة للشعوب في محنها، ومناهضة لمشاريع التطرف والإرهاب التي تحاول هدم العالم العربي من الداخل.
الحقيقة باقية، والأباطيل إلى زوال.
المصدر : Transparency News








