الراعي على خطى صفير: نحو لحظة مواجهة مع الهيمنة الإيرانية
20-08-2025 10:04 AM GMT+03:00
من سمع تصريح البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الأخير، لا يمكنه اعتباره مجرّد موقف روحي أو دعوي. فكلمات راعي الكنيسة المارونية أمس كانت أشبه بجرس إنذار يذكّر اللبنانيين بمرحلة مفصلية عرفها لبنان في مطلع الألفية. يومها، وقف البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير بوجه الوصاية السورية، فكانت كلماته الشرارة التي فجّرت انتفاضة الاستقلال وأدت إلى خروج الجيش السوري. واليوم، يظهر أن الراعي يتقدّم بخطوات مشابهة، ولكن هذه المرة في مواجهة النفوذ الإيراني الذي يمسك بلبنان عبر حزب الله.
من تفكيك احتكار حزب الله للطائفة الشيعية
حين يقول الراعي إن أبناء الطائفة الشيعية "سئموا الحرب ويريدون العيش بسلام"، فهو يسحب البساط من تحت الحزب الذي حاول لعقود اختزال الشيعة في مشروعه العسكري والإقليمي. الرسالة قاطعة: الشيعة لبنانيون قبل أي مسمّى آخر، ولاؤهم يجب أن يكون للدولة لا لإيران. هذا الموقف يعيد رسم التوازنات الوطنية، ويكسر احتكار الحزب لتمثيل طائفته.
تحدي السلاح و"أكذوبة الحرب الأهلية"
وقد أبدى الراعي رفضه التام لتهويل نعيم قاسم بالحرب الأهلية، ما يعكس جرأة في مواجهة سردية حزب الله. البطريرك يقولها بالفم الملآن: لا أحد يريد الحرب، واللبنانيون ليسوا رهائن لمغامرات حزب مسلّح يضع مصالح إيران فوق مصلحة وطنه. الرسالة مزدوجة، داخلية وخارجية: الحرب ليست خيار اللبنانيين، بل خيار جهة واحدة تسعى لإدامة سلاحها.
الجيش هو الحامي
وحين يشدد الراعي أن "الجيش يحمي جميع اللبنانيين من دون تمييز"، فهو يطرح البديل الوطني الواضح عن سلاح الميليشيا. هذا الموقف يوازي في قوته مواقف صفير، يوم طالب بالسيادة الكاملة ورفض أي سلاح خارج الدولة. المعادلة التي يضعها الراعي واضحة: الدولة أو الدويلة.
نحو مواجهة مع إيران
الأكثر صراحة كان توصيفه تدخل إيران بأنه "سافر". لم يتردد في القول إن حزب الله حوّل المقاومة إلى أداة لإملاءات إيرانية، وجرّدها من معناها الحقيقي. هنا تحديداً يضع الراعي الإصبع على الجرح: معركة لبنان ليست مع إسرائيل اليوم، بل مع وصاية إيرانية تتلطّى خلف شعار المقاومة.
كسر المحرّم: حديث عن السلام
واللافت في تصريح البطريرك حديثه عن فتح الباب أمام إمكانية السلام مع إسرائيل "عندما تسمح الظروف". فهذا ليس تفصيلاً، بل إنه كسر لسقف الترهيب الذي يفرضه الحزب، وإعلان أن مستقبل لبنان لا يمكن أن يبقى رهينة لخطاب الحرب الدائمة. هذه رسالة إلى الداخل والخارج معاً، بأن لبنان قد يكون مستعداً للانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية إذا توافرت الظروف والسيادة.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
من يقرأ مسار الأحداث لا يمكن إلا أن يستحضر مشهد عام 2000، حين كانت كلمة البطريرك صفير بداية النهاية للوجود السوري في لبنان. اليوم، الراعي يرفع السقف في مواجهة الهيمنة الإيرانية، وبجرأة غير مسبوقة من مرجعية كنسية بهذا الوضوح. هل تكون كلماته فاتحة مرحلة جديدة تقود إلى فكّ قبضة طهران عن لبنان، تماماً كما قادت مواقف صفير إلى رحيل دمشق؟
خلاصة
البطريرك الراعي لم يعد في موقع المراقب أو الناصح، بل في موقع القائد الذي يقرأ لحظة تاريخية شبيهة بتلك التي عاشها سلفه. الفرق الوحيد أن المعركة اليوم أصعب، لأنها مع نفوذ عقائدي وعسكري متجذّر. لكن كلمات الراعي تحمل ما يكفي من الجرأة لتشكيل بداية مسار جديد، قد يُكتب له أن ينتهي بخروج النفوذ الإيراني من لبنان، تماماً كما خرج الجيش السوري بالأمس
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








