التخلف الرقمي في لبنان: عائق أمام الاستثمار ومستقبل العمل
20-08-2025 02:02 PM GMT+03:00
من الريادة إلى الانهيار
كان لبنان في العقود الماضية رائدًا في قطاع الاتصالات مقارنة بجواره. إلا أنّ هذا التفوق سرعان ما تبدّد، لتتفوق عليه اليوم دول كانت تُعتبر أقل تقدمًا، مثل سوريا التي شرعت في تحديث شبكاتها الرقمية. في المقابل، لا يزال لبنان متأخرًا حتى عن الحد الأدنى المطلوب، إذ لم يقترب بعد من اعتماد شبكات 5G، بينما تخطت معظم الدول العربية هذه المرحلة، وتستعد للانتقال إلى الأجيال الأحدث من الإنترنت.
أوجيرو… عقدة الاحتكار والفساد
تشكل هيئة أوجيرو نموذجًا حيًا للفشل البنيوي الذي يضرب قطاع الاتصالات. فهي الجهة المسؤولة عن البنية التحتية للإنترنت، لكنها في الواقع تعاني من بيروقراطية قاتلة وفساد متجذر، ما جعلها عاجزة عن تحديث الشبكة أو مواكبة الطلب المتزايد. هذا الفشل ينعكس مباشرة على المواطنين والشركات الذين يواجهون خدمات متقطعة وبطيئة، لا تليق بعصر الاقتصاد الرقمي.
شركات الخليوي: ألفا وتاتش في سبات طويل
أما شركتا ألفا وتاتش، فهما ليستا أفضل حالًا. فهما تعانيان من ضعف إداري وتكنولوجي، مع غياب الشفافية في الحوكمة وغياب أي خطة واضحة للتحديث. في الوقت الذي تقدم فيه شركات الاتصالات في الخليج أو حتى في مصر والمغرب خدمات فائقة السرعة وبأسعار تنافسية، لا يزال اللبنانيون يدفعون أسعارًا مرتفعة مقابل خدمة متواضعة، فيما أرباح الشركتين تتآكل نتيجة سوء الإدارة والفساد.
انعكاسات على الاستثمار وفرص العمل
غياب بنية تحتية رقمية متطورة لا يقتصر ضرره على المستخدم الفردي، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني ككل. إذ أنّ أي مستثمر أجنبي يبحث عن بيئة رقمية حديثة قبل ضخ أمواله في مشاريع جديدة. كذلك، فإن قطاعات العمل الناشئة مثل البرمجة، الذكاء الاصطناعي، التجارة الإلكترونية، والخدمات المصرفية الرقمية تحتاج إلى شبكة قوية ومستقرة. الفشل في ذلك يضع لبنان خارج الخريطة الاستثمارية ويعمّق البطالة وهجرة الكفاءات.
الحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة
الحل لم يعد يقتصر على ترقيع البنى التحتية، بل يتطلب إعادة هيكلة كاملة للقطاع. وهذا يشمل:
• إلغاء أو إعادة تشكيل أوجيرو وتحويلها إلى هيئة حديثة وشفافة.
• خصخصة أو إعادة هيكلة شركتي ألفا وتاتش بما يتناسب مع معايير الحوكمة العالمية.
• فتح المجال أمام دخول شركات جديدة، محلية أو دولية، لكسر الاحتكار ورفع مستوى المنافسة.
• الاستفادة من حلول مبتكرة مثل شبكات الأقمار الصناعية (Starlink) لربط لبنان بالعالم الرقمي بشكل أسرع وأكثر أمانًا.
الأمن الرقمي… حجة للرقابة
لكن العقبة الأكبر تبقى في التركيبة الأمنية والسياسية داخل لبنان، حيث تصر بعض الأطراف النافذة على إبقاء الإنترنت تحت سيطرتها الصارمة، بذريعة الأمن القومي. في الحقيقة، هذه الذريعة تُستخدم لإبقاء الخدمة ضعيفة وخاضعة للرقابة والتجسس على المواطنين، في تناقض كامل مع مفاهيم الديمقراطية الرقمية التي تقوم على حرية الوصول إلى المعلومات وحماية الخصوصية.
بين حزب الله والشبكات غير الشرعية
إلى جانب فشل الدولة، تنتشر في لبنان شبكات إنترنت غير شرعية، كثير منها محمي أو مستفيد من نفوذ قوى أمر واقع، أبرزها حزب الله. هذه الشبكات تحرم الدولة من مداخيل ضخمة وتُبقي القطاع في فوضى، ما يعمّق الأزمة بدل حلّها.
خاتمة
في عصر تُقاس فيه قوة الدول بمدى قدرتها على الانخراط في الاقتصاد الرقمي، يقف لبنان في مؤخرة الركب. التخلف الرقمي ليس مجرد مشكلة تقنية، بل هو مأزق استراتيجي يهدد بقاء البلاد على الخريطة الاستثمارية ويمنع أجيالها الشابة من إيجاد فرص عمل في وطنهم. إنقاذ هذا القطاع لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية، تبدأ من كسر الاحتكار والفساد، وتمر بإعادة الهيكلة الجذرية، وتنتهي بالانفتاح على التقنيات الحديثة بعيدًا عن الرقابة والسيطرة السياسية.
المصدر : Transparency News








