فؤاد شهاب… الإصلاح بالصمت أم الصمت عن الإصلاح؟
22-08-2025 12:35 PM GMT+03:00
يحتل عهد الرئيس فؤاد شهاب مكانة استثنائية في تاريخ لبنان، إذ لم يكن مجرد مرحلة سياسية عابرة، بل شكّل ظاهرة فريدة ارتبطت بإصلاح الدولة وتحديث بنيتها الإدارية ومؤسساتها العامة. في زمن كانت الطائفية تتحكم بمفاصل البلاد، حمل شهاب مشروعًا وطنيًا يهدف إلى توحيد اللبنانيين، ونبذ الانغلاق والتطرف، وتعزيز العدالة الاجتماعية، والحفاظ على النظام البرلماني، وإبعاد الجيش عن التجاذبات السياسية، والانفتاح على العالم مع التمسك بالهوية الوطنية. هذه الرؤية جعلته يلمع كالشهاب في سماء وطن الأرز، راسخًا في ذاكرة اللبنانيين كنموذج لرجل الدولة الذي لم يعرف الشعبوية ولا الصفقات، بل عمل بصمت من أجل الدولة ومؤسساتها.
الإصلاحات الكبرى… حجر الزاوية في التجربة الشهابية
لم تكن الطريق أمام شهاب مفروشة بالورود، فقد واجه تحديات سياسية وأمنية جسيمة، لكنه أصرّ على بناء لبنان العصري من خلال مجموعة إصلاحات هيكلية غير مسبوقة. أرسى قواعد الإدارة الحديثة عبر إنشاء مجلس الخدمة المدنية لضمان التوظيف على أساس الكفاءة بعيدًا عن المحاصصة، وأطلق التفتيش المركزي وديوان المحاسبة كآليات للرقابة والمساءلة، وكرّس اللامركزية الإدارية لتفعيل التنمية في مختلف المناطق.
ولم يتوقف عند ذلك، بل عزّز قدرات الجيش وتطويره ليكون الضامن الأول للاستقرار، وأطلق المشروع الأخضر لدعم الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي، وأنشأ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كأحد أبرز ركائز الحماية الاجتماعية. كما أقرّ قانون النقد والتسليف الذي أسس لسياسة مالية أكثر انضباطًا، ونظّم عمل وزارة الإعلام، ووسّع التعليم المهني ليكون مواكبًا لمتطلبات التنمية. هذه الإنجازات لم تكن مجرد إصلاحات إدارية، بل مثلت خطوة نحو بناء دولة حديثة، رغم كل العراقيل السياسية التي واجهته في بيئة كانت تميل إلى تعطيل كل مسار إصلاحي حقيقي.
شهابية بلا ضجيج… قوة الصمت في صناعة الدولة
كان فؤاد شهاب يدرك أن لبنان لا يمكن أن يستمر من دون مؤسسات قوية وقوانين عادلة، لذلك اعتمد نهجًا يقوم على العمل بصمت بعيدًا عن الأضواء، تاركًا النتائج تتحدث عنه. لم يدخل في صراعات مباشرة مع القوى السياسية، بل سعى إلى تحييد الجيش عن التجاذبات، معتبرًا أن الجيش يجب أن يبقى في خدمة الوطن لا في خدمة الطوائف. ومع ذلك، بقيت التجربة الشهابية نقطة مضيئة في تاريخ لبنان، نموذجًا يحنّ إليه اللبنانيون كلما اشتدت الأزمات وتعمّقت الانقسامات.
لبنان اليوم… هل يولد شهاب جديد؟
بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، يقف لبنان اليوم على مفترق طرق خطير. الدولة لم تعد مأزومة فقط، بل باتت على شفا الانهيار الكامل تحت وطأة الانقسام السياسي وسلاح الميليشيات والأزمة الاقتصادية الخانقة. السيادة منتهكة، والاعتداءات الإسرائيلية تتكرر برًا وبحرًا وجوًا، فيما يزداد الارتهان للخارج على حساب القرار الوطني المستقل. في هذا المشهد القاتم، يطلّ رئيس الجمهورية الحالي جوزاف عون من موقع استثنائي، إذ جاء إلى سدة الرئاسة من المؤسسة العسكرية في لحظة انهيار شامل وفوضى داخلية، ما يجعل كثيرين يستحضرون تجربة شهاب ويتساءلون عما إذا كان بمقدوره إعادة إنتاجها في زمن تبدلت فيه المعادلات الإقليمية والدولية، وتحوّل السلاح غير الشرعي إلى عنصر ضغط دائم على الدولة ومؤسساتها.
الصمت لم يعد كافيًا
حتى الآن، يبدو جوزاف عون متمسكًا بسياسة الصمت التي اشتهر بها شهاب، لكن التحديات التي تواجهه تفوق بكثير ما واجهه سلفه. فالدولة اليوم ليست فقط ضعيفة، بل تكاد تكون غائبة، والمؤسسات منهكة، والثقة الشعبية معدومة، والانقسام الطائفي بلغ ذروته، بينما تفرض القوى الخارجية شروطها على الداخل تحت عناوين شتى. من هنا، يبقى السؤال الكبير: هل يستطيع رئيس الجمهورية الحالي أن يكون الشهابي الجديد فينقذ ما تبقى من وطن الأرز، أم أن الزمن تغيّر ولم يعد الإصلاح ممكنًا بالصمت وحده؟ ربما تكون الإجابة رهن قدرته على الجمع بين إرادة الإصلاح وجرأة المواجهة، لأن صمت الأمس الذي أنقذ لبنان قد لا يصلح في زمن الانهيار الشامل، حيث يحتاج البلد إلى قرار جريء يضع الدولة قبل كل شيء
المصدر : Transparency News








