يشهد المشهد اللبناني سجالاً محتدماً بين البطريركية المارونية و«الثنائي الشيعي»، على خلفية مواقف أطلقها البطريرك بشارة الراعي حول سلاح «حزب الله»، ما استدعى ردوداً عنيفة من شخصيات دينية وسياسية شيعية. وبين محاولات لردم الهوة، وتأكيد على استمرار قنوات التواصل، تبرز مخاوف من تفاقم التوتر، رغم تطمينات عدة بأن الأزمة لن تنعكس على الشارع.


تتواصل محاولات محدودة لاحتواء التوتر الأخير بين البطريركية المارونية و«الثنائي الشيعي»، بعد المواقف التي أطلقها البطريرك بشارة الراعي بشأن سلاح «حزب الله»، والتي قوبلت بحملة عنيفة من قبل مرجعيات دينية وسياسية شيعية.

وكشف رئيس «المركز الكاثوليكي للإعلام» المونسنيور عبدو أبو كسم عن «نوع من التواصل حصل عبر شخصيات شيعية دأبت على التنسيق مع بكركي، لوضع الأمور في نصابها»، مشيراً في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط إلى أن «الشؤون السياسية تبقى من مسؤولية الدولة لمعالجتها بحكمتها ودرايتها».

الراعي كان قد صرّح في مقابلة بأن «المقاومة ليست خضوعاً لإملاءات إيران»، ووجّه رسالة مباشرة إلى الحزب قائلاً: «رسالتي إلى حزب الله: أعلن ولاءك النهائي للبنان». وأضاف أن حرب إسناد غزة التي بدأها الحزب «جلبت الخراب على أبناء لبنان»، مؤكداً أنه «لا مانع من السلام مع إسرائيل مستقبلاً عندما تكون الظروف مناسبة».

وفي عظة الأحد، شدّد الراعي على أن «لبنان يحتاج اليوم إلى إيمان حي يُترجم بالثبات في الأرض، وبالحفاظ على الكرامة الوطنية والدفاع عن السيادة والحرية». وأضاف: «على السياسيين الإصغاء إلى صرخة الشعب المقهور، ووضع يدهم بيد الآخرين لبناء دولة السيادة والعدالة والقانون، إذ لا يمكن للوطن أن ينهض إلا عبر مشروع وطني جامع، لا عبر مصالح ضيقة وانقسامات قاتلة».

هذه المواقف أثارت ردوداً قاسية، إذ اعتبر المفتي الجعفري أحمد قبلان أن «لا قوة في الأرض تستطيع نزع سلاح حزب الله وحركة أمل»، مؤكداً أنه «لن يكون سلام مع قتلة الأنبياء وخونة الشعوب»، داعياً من يريد إسرائيل إلى «الرحيل إليها». كما رد العلّامة علي فضل الله معبّراً عن أسفه «لسماع أصوات دينية تستهدف فئة لبنانية قدّمت أغلى التضحيات». وشنّ نواب «حزب الله» وناشطون عبر وسائل التواصل حملة وصلت حد التخوين والشتائم.

الأب أبو كسم أوضح أن العلاقة بين بكركي و«الثنائي» تسودها حالياً «الفتور»، مؤكداً أن بكركي لم تغيّر موقفها الداعم حصراً للسلاح الشرعي، انسجاماً مع قرار الحكومة بحصرية السلاح. وقال: «قد تكون بعض العبارات فُهمت خطأً، لكن ردود الفعل الشيعية كشفت عن حقد دفين، رغم أن العلاقات كانت دائماً جيدة خصوصاً مع الرئيس نبيه بري»، مستهجناً «اللجوء للشتائم والتخوين». ودعا الناشطين على الشبكات الاجتماعية إلى «الوعي، لأن ما يقومون به يهدد بإشعال فتنة داخلية».

من جانبه، اعتبر رئيس «لقاء سيدة الجبل» النائب السابق فارس سعيد أن الكنيسة لم تُبدِ يوماً موقفاً عدائياً تجاه «الثنائي»، مذكّراً بمحطات عدّة منذ «اتفاق الطائف» حيث أدانت بكركي الاعتداءات الإسرائيلية وسعت لتوحيد المرجعيات الروحية. وأكد أن «صدر حزب الله ضاق جداً من أي موقف»، محمّلاً الحزب مسؤولية التوتر مع بكركي، لكنه استبعد انتقال التوتر إلى الشارع، خصوصاً بين الشيعة والمسيحيين.

أما الكاتب السياسي قاسم قصير، المطلع عن قرب على موقف «حزب الله»، فأشار إلى أن هناك «عتباً لدى الثنائي على البطريرك بسبب تصريحاته الأخيرة»، لكنه شدّد على أن «لا نية لقطع التواصل أو الإساءة الشخصية له»، معبّراً عن ثقته بأن التوتر لن يترجم في الشارع.

تاريخياً، تولت لجنة مشتركة من ممثلين عن بكركي و«الثنائي» إدارة العلاقة، لا سيما بعد انتخاب الراعي بطريركاً، حيث كانت العلاقات في عهد البطريرك الراحل نصر الله صفير شديدة التوتر بسبب رفضه العلني لسلاح الحزب والنظام السوري. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تشهد العلاقة اهتزازاً، إذ ساءت عام 2014 بعد زيارة الراعي للقدس للقاء البابا فرنسيس، رغم تحذيرات الحزب من تداعياتها، كونها الأولى من نوعها منذ إنشاء إسرائيل عام 1948.

كما تفاقمت الأزمة عام 2022 بعد توقيف المطران موسى الحاج، النائب البطريركي العام على القدس والأراضي الفلسطينية، لدى عودته إلى لبنان محملاً بأموال وأغراض مرسلة من لبنانيين مقيمين في إسرائيل إلى أقاربهم في الداخل، ما أثار خلافاً حاداً جديداً بين الطرفين.


المصدر : الشرق الأوسط