حسين عطايا 


يسعى حزب الله منذ فترة إلى إلصاق تهمة العمالة بالعهد والحكومة، متهماً إياهم بالخضوع للإملاءات الأميركية والإسرائيلية. لكن ما غاب عن بال الحزب وقيادته أنّه هو نفسه من خضع لتلك الإملاءات، بدءاً من ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، حين قدّم هبة مجانية لإسرائيل بقبوله اعتماد الخط 23 بدلاً من الخط 29 الموثّق استناداً إلى نقطة الحدود B1. كما تنازل عن حقل كاريش الذي تأكد وجود النفط والغاز فيه، ما أتاح لإسرائيل بدء الإنتاج أواخر عام 2022، بعد شهر فقط من توقيع الاتفاق، بينما لبنان لم يتأكد حتى اللحظة من وجود كميات تجارية في بلوكاته البحرية، رغم الأحاديث عن ثروات نفطية وغازية على الساحل اللبناني كما السوري والفلسطيني المحتل.

وللمفارقة، فإن من قاد مفاوضات الوصول إلى اتفاق الإطار هو نفسه من قاد مفاوضات وقف إطلاق النار في عام 2024، أي الرئيس نبيه بري، الحليف الأكبر لحزب الله. والأخطر أن اتفاق الإطار صيغ في الإدارة الأميركية، وجاء في نص الكلمة التي تلاها بري 17 مرة ذكر عبارة “دولة إسرائيل”. في حين أنّ مجرد نطق هذه العبارة من أي لبناني آخر يُعتبر تهمة بالعمالة!

إذن، من يخضع للإملاءات الأميركية والإسرائيلية هو حزب الله وحلفاؤه، لا العهد ولا الحكومة. فالموافقة على ترسيم الحدود البحرية تمت برعاية أميركية، وقادها “الأخ الأكبر” نبيه بري، بوساطة آموس هوكستين. وكذلك اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024 جرى برعاية الوسيط الأميركي نفسه، ووفق ورقة أميركية – إسرائيلية. ومع ذلك، يعتبر الحزب ما يقوم به هو “مقاومة”، بينما يتهم الآخرين بما يفعله هو.

الأدهى أنّ العملاء الذين انكشفوا في لبنان ينتمون بمعظمهم إلى بيئة حزب الله اللصيقة، لا إلى المعارضين ولا أبناء الطائفة الشيعية الأحرار، ولا إلى أي حزب لبناني آخر.

اعتراض الحزب اليوم على الاتصالات واللقاءات الجارية ليس لأنّها تمسّ بالسيادة كما يدّعي، بل لأنها لا تجري عبره أو بموافقته. وللمرة الأولى يجد نفسه خارج دائرة القرار، مع قيام دولة لبنانية قادرة تطالب بحصرية السلاح، وتعمل للتخلّص من الوصاية الإيرانية، وبناء سيادة وطنية حقيقية. وهو أمر لم يعتد عليه الحزب ولا أسياده في طهران.

المشكلة عند حزب الله ليست في التدخل الأميركي أو الإسرائيلي بحد ذاته، بل في أنّ الأمور خرجت من تحت يده. فهو يقبل ببيع لبنان للشيطان بشرط أن يكون هو البائع. أما أن تتفاوض الدولة الشرعية اللبنانية من دون إذنه، فهذا ما يعتبره تدخلاً و”عمالة”.

أيها السادة في حزب الله، كفاكم وصاية على لبنان وأهله. وإن لم يعد هذا الوطن الذي نبنيه يرضيكم، فبلاد الله واسعة، ويمكنكم الارتحال إلى “جنة الولي الفقيه” في طهران.

 (هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News