ديان سامر اللبان، طالبة ماجستير في الجامعة اللبنانية، وباحثة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.


لبنان ليس بلداً فقيراً، لكنه بلد أصبح فيه الفقر هو القاعدة. مع وجود ما يقرب من 80٪ من اللبنانيين يعيشون الآن في فقر و 36٪ تحت خط الفقر المدقع، لم تعد هذه الأزمة تتعلق بالاقتصاد فحسب، بل هي حالة طوارئ وطنية ذات آثار أخلاقية وسياسية ووجودية.

إن انهيار مؤسسات الدولة، وانهيار النظام المالي، وفراغ الحوكمة ذات المصداقية ترك المواطنين يدافعون عن أنفسهم. من الشمال إلى الجنوب، في المدن والقرى على حد سواء، تتخذ العائلات اللبنانية خيارات مستحيلة: إبقاء الأطفال في المدرسة أو إطعامهم، أو الحصول على الرعاية الصحية أو دفع الإيجار. حتى أن بعضهن أجبرن على تزويج بناتهم مبكراً أو سحب أطفالهن من التعليم للبقاء على قيد الحياة. هذه ليست مآسي معزولة. إنها إخفاقات منهجية.

يكشف تقرير إبسوس لعام 2023 عن اتساع وعمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في لبنان: ما يقرب من 70٪ من الأسر تكسب أقل من 500 دولار شهريا، و1 فقط من كل 10 أسر قادرة على الادخار للمستقبل. لم يعد الحراك الاجتماعي حلماً مؤجلاً، إنه سلم تمت إزالته.
المأساة ليست فقط عدد الذين وقعوا في براثن الفقر، ولكن في مدى ضآلة العمل للقبض عليهم.

الفقر في لبنان ليس حتمياً

على الرغم من الإحصاءات المدمرة، فإن الفقر في لبنان ليس حتمياً. إنه نتيجة لفشل السياسة، وليس كارثة طبيعية. وهذا يعني أنه يمكن عكسها إذا تم حشد الإرادة السياسية والعمل المستهدف دون مزيد من التأخير.

أولاً، يجب على لبنان أن ينشئ على وجه السرعة سجلاً وطنياً للحماية الاجتماعية، سجل غير مسيس وقائم على البيانات وشفاف. تم تقويض برامج المساعدات بشكل مزمن بسبب الافتقار إلى البيانات الدقيقة، والتقاط النخبة، وآليات التسليم غير الشفافة. ولا تتلقى الأسر الفقيرة سوى القليل من الدعم من الدولة أو القنوات الإنسانية، على الرغم من تعهد المليارات بتقديم مساعدات دولية. يجب أن يتغير هذا.

ثانياً، نحن بحاجة إلى مساعدة مستهدفة للاحتياجات الأساسية. الدعم الغذائي والقسائم الصحية والتحويلات النقدية المباشرة، التي تدار من خلال نظام نظيف ويمكن التحقق منه، ليست كماليات. إنها شرايين الحياة. الحماية الاجتماعية ليست صدقة. إنه حق وأداة استراتيجية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

ثالثاً، يجب إعادة تصور خلق فرص العمل. وتبلغ نسبة البطالة بين الشباب أكثر من 47٪، وقد ابتلع الاقتصاد غير الرسمي ما يقرب من نصف القوى العاملة. يحتاج لبنان إلى برامج أشغال عامة كثيفة العمالة، خاصة في المناطق المهملة مثل عكار وبعلبك، الهرمل والقسم الأكبر من قرى الأطراف. إلى جانب التدريب المهني والحوافز لتشغيل الشباب، يمكن لمثل هذه البرامج أن تنعش الأمل والإنتاجية.

النوع الاجتماعي والفقر: عبء مزدوج
وقد أدت الأزمة إلى تعميق أوجه عدم المساواة بين الجنسين التي طال أمدها. على الرغم من تمثيل النساء تمثيلاً ناقصاً في القوى العاملة، عانين من فقدان وظائف أعلى من الرجال، وغالباً ما يكونن أول من يتم الاستغناء عنهن وآخر من يعاد توظيفهن. وقد أدى التوقع الاجتماعي بأن تتحمل المرأة أعمالاً منزلية ورعاية غير مدفوعة الأجر إلى تفاقم تهميشها الاقتصادي.

لمكافحة ذلك، يجب على لبنان توسيع نطاق الإرشاد المهني الشامل للنوع الاجتماعي، وفرض حماية المساواة في الأجور، وتوسيع البنية التحتية لرعاية الأطفال لتمكين المرأة من المشاركة الكاملة في القوى العاملة. يجب ان لا يهدف تمكين المرأة إلى المساواة فقط، إنه اقتصاد ذكي.

إن مكافحة الفقر وعدم المساواة في لبنان ليست مجرد مسألة مال. إنها مسألة ثقة. لقد عانى الشعب اللبناني سنوات من الإهمال والفساد والوعود الفارغة. ولن يحتفظوا بخطة إصلاح أخرى ما لم تضع الكرامة والعدالة والإنصاف في صميمها.

يحتاج لبنان إلى عقد اجتماعي جديد، عقد يؤكد أن الدولة موجودة ليس لخدمة الأقوياء، بل لحماية الضعفاء. واحد لا يعاقب فيه الفقر بل يمنعه. حيث لا يتم تبرير عدم المساواة ، بل يتم معالجتها.

حان وقت العمل الآن
كل شهر من التأخير يدفع المزيد من العائلات اللبنانية إلى اليأس ويدفع بالبلاد إلى الهاوية. إن تكلفة التقاعس عن العمل ليست مجرد معاناة إنسانية، إنها تآكل وطني.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الدراسات أو خطابات القمة. إنه بحاجة إلى حكومة تحكم، وشبكة أمان تصطاد، واقتصاد يشمل. إذا كنا جادين في إنقاذ لبنان، فإن مكافحة الفقر وعدم المساواة يجب أن تكون أساس كل ما سيأتي بعد ذلك.

لأنه لا يمكن لأي بلد أن ينهض عندما يكون شعبه جائعاً ويائساً وغير مسموع.

 (هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News