وسيم جانبين


لم يعد نظام ولاية الفقيه ذاك اللاعب الممسك بخيوط العواصم العربية كما كان قبل سنوات. ما نعيشه اليوم ليس مجرد انتكاسة عابرة، بل بداية انهيار استراتيجي، أساسه هشاشة الداخل قبل أي ضغط خارجي. هذا ما أكدته ندوة للمقاومة الإيرانية، حيث برزت معطيات واضحة تُظهر أن أي اهتزاز في طهران يترجم تلقائياً ارتباكاً في ساحاتها الخارجية، ولبنان يقدّم المثال الأوضح على ما يمكن تسميته بـ"تأثير الدومينو".

حين شعر المرشد الإيراني بتراجع نفوذ بلاده في لبنان، استعجل إرسال أحد رجاله الأكثر ولاءً لمحاولة إعادة الإمساك بالمشهد. غير أن الرد اللبناني هذه المرة كان مختلفاً: جبهة سياسية موحّدة رفضت التدخل الإيراني، لتكشف أن ورقة حزب الله لم تعد ورقة رابحة. هذا التحوّل ليس معزولاً، بل انعكاس مباشر لعجز طهران عن تمويل وإدارة حروبها بالوكالة بعدما استنزفتها أزماتها الداخلية.

الإجابة الحقيقية عمّا جرى في بيروت تبدأ من طهران. النظام غارق في مواجهة داخلية مفتوحة مع شعبه: تضخم اقتصادي خانق، أزمات معيشية متفاقمة، انقطاع ماء وكهرباء، وغضب شعبي يتسع يوماً بعد آخر. ومع كل احتجاج جديد، يلجأ النظام إلى القمع والإعدامات. هذه المواجهة الداخلية تسلبه القدرة على لعب دور القوة الإقليمية، وتُظهر أن نظاماً خائفاً من شعبه لا يمكن أن يكون سنداً لحلفائه في الخارج.
الفشل في الساحات الإقليمية انعكس مباشرة على الداخل الإيراني. الصراع بين أجنحة النظام لم يعد خلافاً سياسياً بل تحوّل إلى "حرب ذئاب" على متن سفينة غارقة. كل طرف يسعى لإلقاء التهمة على الآخر، فيما خامنئي نفسه يبدو عاجزاً عن ضبط مفاصل نظامه. هذه الشروخ في القمة جعلت القوى الإقليمية أكثر جرأة على تحدي النفوذ الإيراني بعدما أدركت أن البنيان في طهران متصدّع وقابل للانهيار.

التجربة اللبنانية تختصر المعادلة: مواجهة النظام الإيراني لا تكون بالاسترضاء بل بالصلابة. كلما وُضع تحت ضغط خارجي، تزايدت انقساماته الداخلية وتعاظمت أزماته. دعم الشعب الإيراني في نضاله ومقاومته المنظمة ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل استراتيجية فعالة لتسريع سقوط النظام وتثبيت الأمن في المنطقة. فالاستقرار لا يبدأ من عواصم الغرب، بل من التغيير الديمقراطي الذي يفرضه الإيرانيون أنفسهم.



 
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News