شارل الحاج يفتح مغارة الاتصالات والشركات
30-08-2025 09:57 AM GMT+03:00
فالإدارة اللبنانية تعيش منذ عقود تحت سطوة معادلة غير معلنة: الموظف الفاسد يُحمى من طائفته، والمسؤول المُقصر تُغطى تجاوزاته باسم الانتماء الديني. وهكذا تتحول الإدارة إلى رهينة لعبة عبثية، يدفع ثمنها المواطن والدولة والاقتصاد.
الحاج، الذي شمر عن ساعديه وبدأ حملة تنظيف داخل وزارته، وجد نفسه سريعاً في مواجهة محاولات التشويش. أحد المدراء لم يتأخر في استنفار "غيرة الدين" لحماية موقعه ومصالحه، بما يوحي أن أي خطوة إصلاحية ستتحول فوراً إلى مادة طائفية. الأخطر أن العدوى قد تنتقل إلى موظفين آخرين في شركات الاتصالات، فيرفع كل طرف لواء طائفته ليحصّن فساده، فتتضاعف الفوضى ويُدفن الإصلاح في مهده.
لكن الوزير لا يبدو مستعداً للتراجع. ففي شركتي "ألفا" و"تاتش" تحديداً، تتكشف فضائح بالجملة: إنفاق عشوائي، رواتب خيالية، وتجاوزات مالية تجعل من هذه المؤسسات عبئاً على الخزينة بدلاً من أن تكون رافعة للاقتصاد. المواطن اللبناني، الذي يدفع اليوم أغلى فاتورة اتصالات في المنطقة مقابل واحدة من أسوأ الخدمات، هو الضحية الأولى. والبلد بأسره يتحمل أثمان الفساد والاستهتار.
المعركة التي يخوضها الحاج هي معركة من أجل المال العام تحت ضوء الشمس، وليست مناورات خلف الكواليس. خطوته الأولى جاءت بتخفيض رواتب المدراء الكبار من معدل 20 ألف دولار شهرياً إلى حدود 10 آلاف، في وقت لا يتجاوز فيه راتب موظف الإدارة العادي 500 دولار إذا كان محظوظاً. هذه المفارقة وحدها كافية لفضح حجم الهوة بين الواقع المنهار وبين طبقة إدارية مترفة تعيش في جزر منفصلة عن معاناة الناس.
إلى جانب المواجهة مع المحسوبيات والرواتب، يضع الحاج خطة استراتيجية لإنشاء شركة "ليبان تيليكوم"، لتكون النواة لشبكة حديثة للاتصالات والإنترنت تواكب العصر. هو يدرك أن بناء الدولة يبدأ من إصلاح القطاعات الأساسية، وأن رحلة الألف ميل لا بد أن تبدأ بخطوة أولى، وقد بدأها بالفعل.
معركة الاتصالات التي فتحها شارل الحاج ليست تفصيلاً عابراً، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة بعض من صورتها وهيبتها. فإذا نجح الوزير في كسر حلقة الحماية الطائفية، قد تكون وزارته بوابة أمل إلى إصلاح أشمل، أما إذا وُئدت المحاولة تحت سطوة الطوائف، فستبقى الإدارة اللبنانية سجينة المغارة نفسها.
المصدر : Transparency News








