من "الرمادية" إلى "السوداء": لبنان يواجه عزلة مالية دولية متزايدة
01-09-2025 05:52 PM GMT+03:00
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا تدريجيًا في الأوضاع المالية والأمنية التي يواجهها اللبنانيون في الخارج، وتطور هذا التحول إلى مستوى جديد مع دخول قرار المفوضية الأوروبية بإدراج لبنان ضمن القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ بتاريخ 5 آب 2025، إلى جانب دول مثل فنزويلا وكينيا ولاوس وساحل العاج والجزائر وأنغولا وموناكو وناميبيا ونيبال. وقد جاء هذا التصنيف بسبب عدم التزام لبنان بمعايير مجموعة العمل المالي (FATF) الخاصة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
وكان حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، قد حاول تجنّب إدراج لبنان على اللائحة عبر إصدار التعميم الأساسي رقم 170، الذي يمنع المؤسسات المالية المرخّصة من التعامل مع كيانات غير مرخّصة أو مدرجة على لوائح العقوبات الدولية، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل. وأوضح مكتب بعثة الاتحاد الأوروبي لدى بيروت أن القرار المتخذ "مالي بحت" ولا علاقة له بمسار الإصلاحات الحكومية، مشيرًا إلى أن تحديد الدول عالية المخاطر خطوة ضرورية لحماية النظام المالي الأوروبي.
إلى جانب ذلك، تفاقمت المعاناة الأمنية والمعيشية للبنانيين في الخارج، حيث لم تقتصر الإجراءات على تقييد المعاملات والتحويلات والاستثمارات في دول الاتحاد الأوروبي، بل امتدت لتشمل مظاهر عنصرية وانتهاكات في المطارات بذريعة "الاشتباه الأمني".
التأثيرات الاقتصادية المباشرة
رغم تصريحات بعض الخبراء الماليين اللبنانيين عن محدودية تداعيات القرار على المصارف الكبرى، أكدت تجارب لبنانيين في الخارج أن بطاقاتهم المصرفية لم تعد مقبولة في بعض المعاملات الخارجية، خصوصًا في دول الاتحاد الأوروبي أو دول مرتبطة به سياسيًا. وقد بدأت القيود على التعاملات باليورو قبل نحو شهر من بدء تنفيذ القرار رسميًا، ما أدى إلى أضرار مباشرة بالمستثمرين الأفراد والشركات الصغيرة.
كما فرضت المصارف الأوروبية قيودًا إضافية على حسابات اللبنانيين، خاصة المستقلين منهم أو العاملين لحسابهم الخاص، مما أدى إلى استبعاد شريحة كبيرة من المغتربين. وترافق ذلك مع بطء كبير في إنجاز العمليات التجارية مع المؤسسات اللبنانية، ما ينذر بخسائر مالية متراكمة.
التطورات خارج أوروبا
في كندا، تشددت القيود على التحويلات المالية مع ارتفاع تكاليفها، ما دفع اللبنانيين إلى اعتماد طرق بديلة عبر المسافرين. أما في الولايات المتحدة، فلا تغييرات جوهرية حتى الآن. وفي الخليج، استمر التعامل مع اللبنانيين وفق القوانين المعمول بها من دون إجراءات جديدة.
أما في أستراليا، فبينما لم تتغير شروط فتح الحسابات البنكية، استمرت السلطات بالتشدد في التحويلات منذ تشرين الأول 2023، واعتبرتها نشاطًا "غير قانوني محتمل" حتى إثبات العكس. وأدى ذلك إلى رفض العديد من الحوالات المالية، قبل أن يُعاد بعضها بعد مراجعات دقيقة.
التضييق الأمني والانتهاكات
تصاعدت الإجراءات الأمنية بحق اللبنانيين في المطارات الأوروبية والأسترالية. ففي أستراليا، ازدادت التحقيقات مع الرجال لساعات طويلة، شملت تفتيشًا دقيقًا في الهواتف الخاصة وألبومات الصور، بذريعة مكافحة الأنشطة غير القانونية أو الاشتباه بالتواصل مع تنظيمات مسلحة. أما في أوروبا، فقد تضاعفت الإجراءات الأمنية حتى مع اللبنانيين العاملين في مؤسسات ألمانية رسمية، فيما سجلت حادثة صادمة في أحد المطارات الإسكندنافية، حيث تعرضت سيدة لبنانية لتفتيش مهين وصل إلى حد مطالبتها بخلع ملابسها.
ما بعد اللائحة السوداء
جاء إدراج لبنان على اللائحة السوداء بعد تسعة أشهر فقط من وضعه على اللائحة الرمادية. ويشير القرار إلى قصور استراتيجي في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ما يفاقم المخاطر الاستثمارية، ويدفع الشركات الأجنبية إلى إعادة النظر بوجودها في لبنان.
ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة دون إصلاحات مالية عاجلة وضمان استقرار سياسي وأمني، قد يقود إلى فرض عقوبات دولية قاسية، تشمل تجميد أصول وتقييد حركة رؤوس الأموال. وهو ما سيضاعف من حدة الانهيار الاقتصادي الذي يعانيه لبنان منذ سنوات.
المصدر : وكالات








