المحامي جهاد عيد الحدشيتي


طالعنا عملاء إيران في لبنان ليشتكوا مساس السيادة اللبنانية وليستنكِروا مظاهر الخضوع، ولولا ازدواجية عمالة هؤلاء لإسرائيل أيضاً، كان ليتغلّب علينا الشك بمفهوم النهج السيادي والوطني وبكيفية تحقيق المصلحة الوطنية.

وفعلاً تثبت الأحداث المقولة الناقضة لحزب إيران في لبنان بأنه ضالع بكل ما يحدث من أمور حتى لو في الصين، بحيث أن الحالة اللبنانية الراهنة ما كانت لِتَتظهر كما هي عليه لولا هذا الحزب.

فلم يقتصر دور هذا الحزب على خرق الدستور ومخالفة القوانين ولا على عدم تطبيق اتفاق الطائف، ولا على محاولات اغتيال واغتيال من يعارضه من نشطاء وسياسيين وإعلاميين وحزبيين وأمنيين، ولا على التطاول على رجال الدين، ولا على احتلال وسط بيروت وشلّ حركته، ولا على تعطيل الحياة الدستورية وفرض رؤوساء وحكومات على حساب المصلحة العامة، ولا على التحالف مع الفاسدين ونهب مقدرات الدولة وسرقة أموال الناس، ولا على التهديد والوعيد ورفع الأصبع وزرع الفتن، ولا على القمصان السود و7 أيار ولا على خط نهر البارد الأحمر ولا على أحداث عبرة ولا على غزوة عين الرمانة وحادثة شاحنة الكحالة ولا على تفجير مرفأ بيروت وعرقلة مسار التحقيق فيه، ولا على عزل لبنان عربياً ودولياً ولا على جعل لبنان ساحة صراع وذراع إيرانية.

إلى حين "سَكر" هذا الحزب بدوره، فعُميت أعيُنه بالتضليل الذي سوَقه وانعدمت بصيرته بنشوة القوة التي زعمها، فإِنحرَج وإنأَزَم فأقحم نفسه بمساندة غزة، فكان تاريخ لبنان الجديد يكتب منذ ذاك اليوم.

فاستُهدفت مناطق تواجده، وقُتلت قياداته الميدانية والعسكرية والسياسية، أُُفرِغ الشريط الحدودي حتى أقصى الجنوب، خُطفِت كوادره بإنزالات بحرية وبريّة، فُجِرت أجهزته اللاسلكية الملغومة، لَحقَت المسيَرات القاصفة بعناصره، قُصفت مخازن أسلحته وطُمرت أنفاقه، هُجِّرت بيئته الحاضنة وهُدِمت بيوتها، ومُنع انتشال الجُثث وعُلِّقت جنازاته،  فظهرت هشاشة هذا الحزب الحربية حتى الإنكسار والخضوع والتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بما حمله من بنود نزع للسلاح فوق الليطاني وتحته وتطبيق القرارات الدولية ومَنح القوى الغربية الراعية للإتفاق سلطة الإشراف العسكري على تطبيقه. 

لكن بعد الظلمة نور وبعد العسر يُسر، فعجّ لبنان بالموفدين والمبعوثين والسيناتورات الأميركيين، كثرت الوفود العسكرية والدبلوماسية والسياسية من ضباط أميركيين وإسرائيليين لتَجتَمع مع ممثلي السلطات اللبنانية، أُزيلَت المحظورات بوَعيٍ غير مسبوق وأصبح حديث البلد تسليم سلاح الحزب في لبنان حتى صدور قرارات حكومية تفرض ذلك.

وما ذلك إلى امتداد لمفاعيل دور حزب إيران في لبنان، والأمر لا يحتاج قدرات استثنائية لإدراك ذلك، فلولا هذا الحزب لما وصلنا إلى هذه المرحلة من الخطاب السياسي المكشوف، لولا هذا الحزب وتَبعِيته لإيران لما شَهدِنا حرباً قاضية عليه، لولا وَهِم هذا الحزب بالنصر لما كان ليُشَل سلاحه، لولا حرب هذا الحزب الإلهية لما كان ليُشفى غليل اللبنانيين.

فهذا الحزب فاضل وكيف لا وأن حرباً أشعلها لم تنته معاركها على حدّ وقف الحرب فقط بل طالت نتيجتها استسلام هذا الحزب وتسليم سلاحه.

ومن كان ليَتكلَّم بـ "السلام" أو أن يردِد كلمة "إسرائيل" لولا "المساندة" أصلاً.

وكيف لا يكون للحزب دوراً لامعاً في هذه الإنفتاحة الخيّرة للبنان، ولولاه لما رأينا هوكشتاين وأورتاغوس وبراك وغراهام في لبنان، ولما انتعشت أجواء لبنان السياسية وحتى الإجتماعية بالنفس الأميركي.

فمن يشكل رأسمال لإيران في لبنان لا يسعه التحسُس من السعي الغربي لوضع لبنان على مسار النهضة خصوصاً أن في ذلك تجنيب هذا الحزب المزيد من الإذلال.
ومن تَسبَبَت أفعاله وسوء سياساته بجرّ الرعاية الدولية والغربية على لبنان على حساب الوصاية الإيرانية، لا يسعه أن ينتقد أو يعارض أو يناقش أو يقرر بل عليه الإنصياع والسير بما يرتأيه الأقوى من مصلحة عامة.

ومن لا يريد تسليم السلاح ليس بحاجة ليذكرنا بذلك دائماً، فاستغلال هذه النغمة لن يفلح في التسويق لسلاح لم يعد موجود، فلم ننسى مشاهد تفجُره وحرقه وتدميره.
ومن يستحضر حَشد المليون والنصف نتوسل إليه انطلاقاً من غيرتنا على "البيئة المحتضرة " أن لا يرينا مشهدية مشابهة لمشهدية تحليق الطيارات الحربية الإسرائيلية فوق جنازات قياداته، فمن الأجدى لإستحقاق لقب أشرف الناس التوقف عن شتمها.

ومن يتوعد اللبنانيين بالحرب "الكربلائية" فليتذكر أنه وافق على وقف حربه الإلهية ضد إسرائيل مع "حبة مسك" تسليم سلاحه، وعلى كل حال من صُنِف بالإرهابي ومن أُدرَج على لائحة العقوبات الدولية لن يثير حيائه بلاغ بحث وتحرٍ صادر عن السلطات القضائية اللبنانية.

بالفعل ساهم حزب إيران في لبنان بنهاية حزينة له وببداية سعيدة للبنان، حتى أنه وقعنا في حيرة شُكره على ما جَنتهُ يداه عليه أم المثابرة على جلده والأسباب كثيرة والإرتدادات كبيرة، فهو الذي وبفعل إجرامه مَنَحَ لسوريا فرصة التقدم على لبنان والمجاهرة بالمسامحة على ما فعله هذا الحزب من مجازر على أراضيها، فضاع حق لبنان على سوريا بجرعة حقيقة على حساب اليقين وليس باعتذار فحسب، وكأن لبنان لم يكن ضحية اغتيالات وقتل صُنع نظامها الساقط.

يذوب ويتخبط هذا الحزب حتى الزوال، إلا أننا لن ننسى فعله ودوره في دفع لبنان الرسمي لإتخاذ قرار حصر السلاح بيده وبسط سلطة الدولة على كافة أراضيها، وهذا أكثر ما يمكن استذكار هذا الحزب به فيما لو أردنا استذكاره بالخير، أما اليوم فقد اجتزنا مرحلة كسر نفوذ هذا الحزب  ولن يشوِش هذه الحقيقة بعض فاقدي الصواب المهزومين فلن يُمحى ما كُتِب ولن تُخفى شهادة على ما حصل، فأصبح لبنان ولو مؤقتاً محور الإهتمام الدولي وأرضاً أهلاً وسهلاً بالضيف الغربي، فشكراً حزب "الله".


المصدر : Transparency News