بديع يونس


الثقة كبيرة باللواء أشرف ريفي. هذا الرجل الوطني والسيادي المشهود له باستقامة لا يختلف عليها اثنان، ومواقف صلبة بتوقيتات حساسة ومفترقات طرق كان فيها مقداماً في مواجهة خصوم الوطن.
وعلى قدر هذه الثقة، يأتي العتب. ألم نتعلم بعد من اختيار التوقيت والإطار الصحيحين لممارسة الاختلافات السياسية والديمقراطية؟ ما الذي يفرّق "منطق" ما تفعلونه اليوم عما فعله "التغييريون" في توقيتات خاطئة وشعارات "صحيحة" فخدموا الخصم وشتتوا المعارضة السيادية التي كنتم عنصرا أساسيا فيها؟ هل هذا وقت السجال على حجم التمثيل الشعبي والسياسي؟ هل من المفيد في هذه اللحظة السياسية الدقيقة حيث المطلوب رصّ الصفوف السيادية خلف مشروع الدولة، أن يُفتح سجال حول من يمثّل أكثر؟ خصوصًا حين يتناول هذا الكلام النائب السيادي فؤاد مخزومي الذي تُثبت مواقفه المتكرّرة جرأةً والتزامًا بالثوابت الوطنية والإصلاحية؟ لا شك أنّ ما قيل لا يخدم أي طرف. فامتحان الضمير السنّي لا يختزل بالتصريحات أو بالمزايدات، بل يتجسّد في أمرين لا ثالث لهما: الالتزام بالثوابت السيادية والإصلاحية من جهة، وصناديق الاقتراع التي تفصل بالأحجام والتمثيل من جهة أخرى. وعليه، فإنّ أي معركة خارج هذا السياق محكومة بالخسارة ولو بدا أنّها رابحة، وأي توقيت خاطئ للاشتباك السياسي ستكون نتائجه أشدّ ضررًا من مردوده؟
 
سيادة اللواء، حجم التمثيل والخطاب الانتخابي والمنافسة الشريفة حق يكفله الدستور والقوانين في كل الديمقراطيات. نراه في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها.. حيث الدولة قائمة والنظام السياسي مستقر، لا في لبنان (في هذه اللحظة) حيث يجري البحث عن "شكل" الدولة وكيفية قيامها "سيّدة وحرّة ومستقلة" كي تمتلك حصرية السلاح والقوة اللذين لا نزال في معركة البحث عنهما. هل التوقيت مناسب لهذا التنافس فيما الأخصام السياسيون يلوحون بحرب أهلية ويشدون العصب المذهبي بوجه الدولة، بالموازاة مع تلويح إسرائيل بحرب جديدة على لبنان؟
سيادة اللواء، نحن اليوم في مرحلة حساسة ودقيقة، وفي معركة شرسة لـ"بناء دولة". نبحث عن الانفتاح على العالم واستقطاب استثمارات عربية وخليجية، وعن استعادة ثقة المجتمع الدولي. كل ذلك يحتاج رئيس حكومة يمتلك علاقات خارجية وقدرات تقنية ومادية وأن يكون ذات خلفية اقتصادية وموقف سيادي ويحمل مفتاحا يفتح فيه الأبواب الموصدة إقليميا ودوليا. فرئاسة الحكومة موقع يحتاج هذه الصفات، لا موقع "من يمثل أكثر بل من يقدر أكثر"، وفؤاد مخزومي "يقدر أكثر" في موقع رئاسة الحكومة.
وبالحديث عن حجم التمثيل، لا تحتاج الرئاسات الثلاث حجم تمثيل بل حجم فعالية. فعلى سبيل المثال، الرئيس عون أقل تمثيلا من د. جعجع، ونواف سلام أقل تمثيلا من فؤاد مخزومي ومنكم، ومع ذلك اقتضى الظرف الحالي وصول هذه الثنائية المقبولة عربيا ودوليا.
موضوعنا اليوم أن يأتي رئيس حكومة في المرحلة المقبلة "اقتصادي – سيادي" يمتلك الإمكانيات المادية والعلاقات اللازمة لينقل لبنان إلى مرحلة جديدة. وهذه الشخصية موجودة لدى فؤاد مخزومي ومن الأجدى دعم هذا الشخص المقبول عربيا ودوليا بدل محاربته.
سيادة اللواء ريفي، عُرفتم دوماً بصلابة موقفكم وتركيزكم على القضايا المركزية، وأنتم مدعوون اليوم للحفاظ على هذه الصورة، وتجنّب التفرّعات التي لا تفيد قائلها ولا تنتقص من مكانة النائب مخزومي الذي أثبت بالأفعال أنّه جزء لا يتجزأ من الحالة السيادية والإصلاحية في لبنان، وأنّه شريك في المواجهة مع مشروع الدويلة والتبعية.
من هنا، تبقى الرسالة الأوضح ألا تفرّقوا الصفوف بمعارك وهمية وعبثية. فالمعركة السيادية لم تنته بعد، والخصم معروف، وساحات النزال الحقيقية ما زالت مفتوحة. وحدة الصف السيادي هي السبيل الوحيد لمواجهة الاستحقاقات المقبلة، ولإعادة الاعتبار لدور السنّة الوطني الجامع في بناء دولة سيدة حرّة مستقلّة.