إذا كان سلاح الدمار الشامل يرسم معادلات التوازن الدولي والإقليمي، فإن سلاح الوساطة الشامل ـ أي القوة الناعمة المبنية على شبكة علاقات متينة تمتد على خطوط الطول والعرض في الشرق الأوسط ـ بات الأداة الأشد تأثيراً وكلفة.


 وقلّة من الدول تتقنه كما تفعل قطر، التي راكمت خبرة جعلتها لاعباً ثابتاً على مسرح الوساطات الإقليمية والدولية.

في الساعات الثماني والأربعين الأخيرة من الحرب الإسرائيلية على إيران، وبعد أن استنفدت واشنطن وتل أبيب أهدافهما العسكرية، فُتحت القنوات الأميركية عبر الدوحة للانطلاق بمسار الوساطة. فجاء وقف إطلاق النار تتويجاً لتحرك قطري، سبقه رد إيراني محدود على قاعدة العديد، ترك جروحاً عميقة لكنه أبقى على خيط تواصل رفيع. هنا تتجلى البراغماتية: الجروح لا تُمحى سريعاً، لكن الوساطة قادرة على تضميدها وفتح مسارات جديدة للحوار.

وفي بيروت، حيث يحتدم الجدل حول قرار سحب السلاح، يعلو خطاب التهديد من حزب الله فوق السطوح، فيما تتحرك دبلوماسية ناشطة على أكثر من خط. الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، مصر وقطر هم اللاعبون الأبرز على خط تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، بما يحمي لبنان من الانزلاق إلى الفوضى أو العنف الأهلي. اللجنة الخماسية تعمل بصمت، ولكل طرف دور محدد في نسج خيوط الحل.

المساعي القطرية تُسجَّل بعيداً عن الأضواء، وفق قواعد صارمة: لا للحرب الأهلية، نعم لبسط سلطة الدولة، لأن القرار هذه المرة دولي وداخلي في آن، ومدعوم بغطاء عربي واسع. والأبواب تُفتح أمام كل أشكال التواصل لمنع انزلاق لبنان إلى مواجهة جديدة أو فتنة داخلية.

يبقى التوقيت هو العنصر الحاسم. فالوساطة القطرية إن انطلقت فلن تكون إلا من داخل المظلة الخماسية، أي بغطاء دولي يرفع الخطوط الحمر عن الكلام المباشر مع "حائكي السجاد" في طهران. فالقنوات في بيروت مفتوحة، لكن البريد السريع الذي يحسم الاتجاه ـ سلباً أو إيجاباً ـ يمر حكماً من واشنطن إلى الدوحة، ومنها إلى طهران.

الاستحقاقات المقبلة ثقيلة: جلسة الغد المفصلية، والمهلة النهائية لسحب السلاح قبل نهاية 2025. وبين هذا وذاك، تبقى الوساطة مرهونة بعنصرين: توقيت انطلاقها وتوافر أدوات نجاحها. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل آن الأوان لقطر كي تستخدم سلاحها الشامل في الوساطة، قطعا للطريق على التهديد بالعنف الشامل؟


المصدر : Transparency News