منذ ساعات الصباح الأولى، غصّت شوارع وسط بيروت ومداخلها بلوحات إعلانية ضخمة تحمل صور رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ممهورة بشعار واضح: “كلنا معكم، جيش واحد، سلاح واحد، دولة واحدة، عهد جديد للبنان”.


هذا المشهد لم يكن تفصيلاً دعائياً، بل تعبيراً صارخاً عن دعم شعبي ورسمي عابر للطوائف والفئات، يُمهّد لمرحلة سياسية دقيقة عنوانها الأساسي: حصر السلاح بيد الدولة وعدم التراجع عن القرار الحكومي المنتظر. الرسالة واضحة: اللبنانيون يمنحون الشرعية للرئيسين عون وسلام للمضي في هذا الاتجاه بشجاعة، فيما يُنظر إلى الجيش على أنه الضامن لتنفيذ القرار ومطابقته على الأرض.

الحكومة أمام مصير دقيق

الجلسة الحكومية المرتقبة ليست كسابقاتها. إنها جلسة مفصلية ستضع لبنان أمام خيارين: إمّا المضي قدماً في قرار حصر السلاح ونزع الميليشيات قبل نهاية هذا العام، وإمّا السقوط في مستنقع الانهيار والفساد والتفكك الأمني. المعلومات تؤكد أنّ “حزب الله” يحاول بكل الطرق تطويق هذا المسار، سواء بتطيير النصاب أو بإثارة بلبلة سياسية، لكن المناخ العام الداخلي والخارجي بات يضغط بالاتجاه المعاكس: لا إصلاح من دون سيادة، ولا دولة من دون جيش واحد وسلاح شرعي وحيد.

خطة الجيش والتحدي الميداني

أوساط عسكرية مطلعة تؤكد أنّ قيادة الجيش تعمل على إعداد خطة شاملة تتطابق مع القرار الحكومي المرتقب، بحيث يتم التعامل مع كل الميليشيات على الأراضي اللبنانية بلا استثناء. هذه الخطة تُعتبر الركيزة التنفيذية للمسار السياسي، وهي تحظى بدعم واسع من الداخل والخارج على حدّ سواء. التحدي كبير بلا شك، لكن المؤسسة العسكرية أثبتت في محطات سابقة أنها قادرة على ضبط الأرض وحماية الاستقرار حين تتوافر لها الغطاءات السياسية والمالية اللازمة.

معركة تتجاوز الداخل

في المقابل، لا يمكن تجاهل البُعد الإقليمي للصراع. إيران لن تتخلى عن نفوذها في لبنان بسهولة، وحزب الله يضع مصالح طهران فوق مصالح اللبنانيين. هذه الحقيقة تجعل من قرار الحكومة معركة سيادة بامتياز، حيث سيكون على الدولة أن تواجه ليس فقط التعنّت المحلي، بل أيضاً الارتباطات الإقليمية التي تمنع ترجمة القرارات السيادية. من هنا تأتي أهمية الالتفاف الشعبي والسياسي الذي برز في مشهد اليافطات، بوصفه مظلة وطنية جامعة تتيح مواجهة هذه التحديات.

إما الدولة أو الفوضى

لبنان اليوم على عتبة لحظة تاريخية. الجلسة الحكومية ليست تفصيلاً بل امتحان وجودي: إمّا استعادة الدولة قرارها ومؤسساتها عبر خطة حصر السلاح بيد الجيش، وإمّا الوقوع في هاوية الانقسام والخراب. الرسالة الشعبية التي ملأت الشوارع لا تحتمل التأويل: كل لبنان مع الدولة، كل لبنان ضد الميليشيات. والكرة الآن في ملعب الحكومة لتنفيذ هذا القرار بشجاعة، وللجيش لترجمته واقعاً، وللشعب أن يحميه من أي محاولة التفاف أو تعطيل


المصدر : Transparency News