ديان سامر اللبان - طالبة ماجستير وباحثة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية


لطالما قاس لبنان صحته الاقتصادية بمؤشرات النمو: ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، تدفق رؤوس الأموال، أو النشاط المؤقت في قطاع الخدمات. لكن اليوم، وفي خضم واحدة من أعمق الأزمات المالية والمؤسساتية في تاريخه، لم يعد لهذه الأرقام أي معنى. ما يحتاجه لبنان ليس نمواً في معناه الضيق، بل تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، تقوم على بناء المؤسسات، تحقيق العدالة، واستعادة الثقة. التنمية لم تعد ترفاً، بل صارت شرطاً وجودياً لبقاء الدولة والمجتمع.

 

هشاشة النمو بلا تنمية

النمو الاقتصادي قد يكون مضللاً. فبلد ما قد يسجّل نسب نمو إيجابية، فيما تتفاقم الفجوات الاجتماعية وتنهار مؤسساته. لبنان مثال صارخ: سنوات من النمو الظاهري بدعم من التحويلات المالية والديون والهندسات المالية، لكنها لم تُترجم إلى بنى تحتية أفضل، أو مؤسسات أقوى، أو مجتمع أكثر تماسكاً.

النمو بلا تنمية أشبه ببناء على رمال متحركة. ما إن تهتزّ الثقة أو تتراجع التدفقات حتى ينهار كل شيء. هذا ما حدث في لبنان: المصارف التي كانت مفخرة وطنية انهارت، المؤسسات العامة أصابها الشلل، والكفاءات هاجرت. التنمية، بخلاف النمو، تعني تأسيس قواعد صلبة تحمي المجتمع والاقتصاد: حكم القانون، شفافية مالية، عدالة في توزيع الموارد، واستقرار اجتماعي.

 

الثقة هي الركيزة

أثمن ما يملكه لبنان اليوم ليس العملة المحلية ولا الدولار ولا الذهب. إنه الثقة. الثقة هي ما يشجع المستثمر على ضخ أمواله، والمغترب على تحويل مدخراته، والمواطن على إيداع راتبه في المصرف.

لكن هذه الثقة انهارت. سنوات من سوء الإدارة، وغياب الشفافية، وتعطيل الإصلاحات، تركت لبنان في عزلة مالية وسياسية. من دون الثقة لا يمكن لأي نسبة نمو أن تتحول إلى فرص عمل أو تحسن في معيشة الناس. التنمية الحقيقية تبدأ من هنا: استعادة الثقة عبر مؤسسات نزيهة، قيادات مسؤولة، وقوانين مطبّقة بلا استثناء.

 

العزلة الاقتصادية وكلفتها الاجتماعية

يُنظر إلى لبنان اليوم كمنطقة عالية المخاطر. وهذا يترجم عملياً في الاقتصاد:

  • تعطّل التجارة نتيجة صعوبة إجراء المدفوعات العابرة للحدود.
  • تراجع الصناعة والخدمات بسبب غلاء التمويل وضعف الاستثمارات.
  • ارتفاع البطالة وما يستتبعها من توسّع دائرة الفقر والهجرة.

أما الأثر الاجتماعي فكان أكثر قسوة: آلاف العائلات باتت تواجه صعوبات في استلام تحويلات المغتربين، الخدمات العامة تراجعت بشكل كارثي في الصحة والتعليم والبنى التحتية، والفجوة اتسعت بين من يستطيع التحايل عبر قنوات غير رسمية ومن يرزح تحت أعباء الانهيار.

هذا كله يوضح أن الحديث عن النمو الاقتصادي وحده صار فارغاً. ما لم يكن هذا النمو متلازماً مع مسار تنموي شامل، سيبقى محصوراً في قلة مستفيدة، هشّاً، ومعرّضاً للانهيار من جديد.

 

التنمية تعني إصلاح المؤسسات

لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات التقنية، لكنه يعاني من غياب الإرادة السياسية. شبكات الزبائنية والمصالح الخاصة تعطل أي إصلاح حقيقي، لأن الشفافية تهدد سلطتها ونفوذها.

التنمية تبدأ من هنا:

  1. حكم القانون وتطبيقه على الجميع من دون استثناء.
  2. حوكمة مالية شفافة تعيد الثقة إلى القطاع المصرفي والمالية العامة.
  3. جهات رقابية مستقلة تضمن الامتثال والمساءلة.
  4. سياسات حماية اجتماعية توفّر الأمان للفئات الأكثر ضعفاً وتوزّع الأعباء بشكل عادل.

هذه ليست خطوات تقنية، بل تحوّل جذري من اقتصاد يخدم النخب السياسية إلى اقتصاد يخدم المجتمع.

 

البعد الاجتماعي للتنمية

التنمية ليست اقتصاداً ومؤسسات فقط، بل أيضاً مجتمعاً متماسكاً. اليوم، يجد المواطن نفسه محروماً من أبسط الخدمات: المدارس تترنح، المستشفيات عاجزة، البلديات فقيرة. النتيجة هي شعور عام باليأس، واندفاع نحو الهجرة أو الاحتجاج.

النهج التنموي يعني:

  • ضمان خدمات صحية وتعليمية شاملة.
  • إطلاق سياسات توظيف للشباب تحدّ من نزيف الهجرة.
  • استثمارات متوازنة تعالج الفوارق بين المناطق المهمشة والمدن الكبرى.

هذه ليست كماليات، بل ضمانات لمجتمع قادر على الصمود أمام الأزمات.

 

نافذة ضيقة لكن ممكنة

رغم القتامة، لا يزال للبنان فرصة. فطاقاته البشرية، وانتشاره الاغترابي، وموقعه الجغرافي، كلها عناصر يمكن أن تتحول إلى محركات للنهوض. لكن ذلك يتطلب قراراً شجاعاً: فضح الفساد بدل التغطية عليه، تطبيق القانون بدل الالتفاف عليه، ووضع المصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة.

الخيارات واضحة: إما الاستمرار في الإنكار، أو اعتماد الإصلاح بوصفه المدخل الوحيد للعودة إلى المصداقية.

 

التنمية كشرط بقاء

أزمة لبنان لم تعد مسألة أرقام في جداول النمو، بل مسألة بقاء الدولة والمجتمع. السؤال الجوهري اليوم هو: هل تستطيع الدولة أن تضمن لمواطنيها الأمن والخدمات والعدالة الاجتماعية؟

النمو قد يعود يوماً عبر مساعدات أو تدفقات مؤقتة، لكنه سيبقى وهماً ما لم يُبْنَ على أسس التنمية. التنمية وحدها، القائمة على الثقة والمؤسسات والعدالة، قادرة على نقل لبنان من الانهيار إلى التعافي.

إنها لحظة الحقيقة. فإما أن يختار لبنان طريق التنمية الشاملة، أو يواصل انحداره نحو عزلة أعمق وفقر أكبر. التنمية ليست ترفاً ولا شعاراً؛ إنها شرط البقاء.

وفي هذا السياق، يكتسب النقاش المرتقب حول مشروع موازنة 2026 أهمية استثنائية. فالموازنة ليست مجرد أداة مالية لتوزيع الموارد، بل هي المدخل الحقيقي لترجمة الأولويات التنموية: الاستثمار في التعليم والصحة، حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وتوجيه الإنفاق نحو مشاريع إنتاجية تُعيد الحيوية للاقتصاد. إن إدماج بُعد التنمية في الموازنة المقبلة هو الاختبار الفعلي لقدرة الحكومة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة مستقبل أفضل.

اللحظة حرجة والخيارات واضحة: إما أن تتحول موازنة 2026 إلى بداية مسار تنموي جاد، أو تبقى مجرد أرقام شكلية تُعيد إنتاج الفشل. التنمية لم تعد شعاراً، بل هي الشرط الوحيد لبقاء لبنان دولةً ومجتمعاً.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News