محمد فحيلي - باحث مقيم في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)


قد يظنّ اللبنانيون أن اكتمال السلطات – انتخاب رئيس للجمهورية جوزاف عون، تشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، واستكمال التعيينات النقدية من نواب الحاكم إلى لجنة الرقابة على المصارف – هو بداية الخلاص. لكن الحقيقة مختلفة: المؤسسات قائمة شكلاً، بينما الواقع الاقتصادي والمالي يزداد انهياراً، والمصارف غارقة في إنكار مدمّر، والمودع وحده يواصل دفع الثمن.

المصارف، حتى تلك التي أعادت تكوين بعض سيولتها من الفوائد الخيالية على الدولار، ما زالت تقف على الحياد: ودائع محتجزة، خدمات شبه مشلولة، ومواجهة سلبية مع تبعات التصنيفات السوداء والرمادية. وفي الوقت الذي يختنق فيه المواطن، تتوسع مؤسسات تحويل الأموال مثل OMT وWhish Money، في دليل على عجز المنظومة المصرفية لا على نجاح بدائلها.

 

العجز السيادي

منذ إعلان لبنان التوقف عن خدمة الدين العام في آذار 2020، بقي البلد في خانة "التعثر الائتماني" لدى مؤسسات التصنيف العالمية مثل Moody’s وFitch وS&P، بلا أي أفق للخروج. حتى الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد في نيسان 2022 لم يتحوّل إلى برنامج إنقاذ فعلي، بعدما اصطدم بجدار العجز – أو ربما التعمد – في التهرّب من الإصلاحات البنيوية.

وإلى جانب هذا الشلل المالي، يستمر الفراغ القانوني: "حزب الله" يحتكر قرار الحرب والسلم، فيما جمعية "القرض الحسن" تواصل تقديم خدمات مصرفية موازية بلا أي رقابة أو التزام بالقوانين، في مشهد يبدّد ما تبقى من ثقة الداخل والخارج على السواء.

وزاد الطين بلّة أن التحديات الأمنية المرتبطة بتطبيق القرار 1701 وفتح الجبهة الجنوبية، ثم العجز عن إدارة ما بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، جمّدت أي إمكانية لإطلاق عملية إعادة الإعمار. ومع استمرار إدراج لبنان على اللوائح الرمادية والسوداء، وجد نفسه محاصراً في عزلة مالية خانقة، عنوانها العجز السيادي وفقدان القدرة على المبادرة.

 

ما العمل؟ حلول واقعية وليست مثالية

لقد انهار الوهم وسقطت محاولات التسويف. لم يعد هناك مكان للشعارات ولا للخطط الفضفاضة. المطلوب ليس حلولاً مثالية على الورق، بل خطوات واقعية، قاسية أحياناً، لكنها الطريق الوحيد لإعادة رسم الخريطة المالية والاقتصادية.

إعادة هيكلة مصرفية جادة وشفافة

  • فرض كشف شفاف عن أوضاع المصارف (Asset Quality Review).
  • فرز المصارف القابلة للحياة عن تلك المتعثرة.
  • تأسيس صندوق وطني لتعويض صغار ومتوسطي المودعين، بتمويل من مساهمي المصارف والدولة وموجودات القطاع العام القابلة للتسييل.

إعادة الاعتبار للمصرف المركزي والرقابة

  • تطبيق صارم للمعايير الدولية: IFRS9، CAMELS، بازل 2 و3.
  • تفعيل دور لجنة الرقابة على المصارف كسلطة مستقلة، لا تابعة للمصالح السياسية.

تسريع الإصلاحات المرتبطة بصندوق النقد الدولي

  • اعتماد خطة إنقاذ معدّلة وواقعية تعترف بحجم الفجوة المالية وتوزيع عادل وشفاف للمسؤولية.
  • تفاوض جدي حول آليات تقاسم الخسائر (Burden Sharing) بين الدولة، المصارف، وكبار المودعين، مع حماية الفئات الأضعف.
    • صغار المودعين: أقل من 100 ألف دولار، تُصان حقوقهم كاملة.
    • المودعون المتوسطون: بين 100 ألف و500 ألف دولار، تُعتمد معهم تسويات مرنة.
    • كبار المودعين: مليون دولار وما فوق، يتحملون القسط الأكبر عبر اقتطاعات أو تحويل ودائعهم إلى أدوات طويلة الأجل أو أسهم مصرفية.

تنظيم قطاع التمويل الموازي

  • إدماج أنشطة تحويل الأموال ضمن رقابة فعلية وبنية مالية حديثة.
  • إخضاع الجمعيات التي تمارس نشاطاً مصرفياً (مثل "القرض الحسن") لإطار قانوني واضح أو وقف نشاطاتها غير المرخصة.

استراتيجية مالية – دبلوماسية للخروج من العزلة

  • خطة وطنية للامتثال لمتطلبات FATF والاتحاد الأوروبي، بإجراءات فعلية لا وعود.
  • استعادة الثقة عبر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وربط ذلك بخطط إعادة الإعمار.

فصل الملف المالي عن الصراعات السياسية

  • تحييد السياسة النقدية والمالية عن التجاذبات الإقليمية.
  • اعتماد مبدأ: "السياسة المالية لخدمة الاقتصاد" لا "السياسة المالية لخدمة الأحزاب".

 

هذه ليست لائحة أمنيات، بل الحد الأدنى مما ينبغي فعله إذا أراد لبنان أن ينجو. فالوقت لا يعمل لصالحه: كل يوم تأخير يعني خسارة أكبر للمودع، للمصرف، وللاقتصاد. الإصلاح لم يعد خياراً بل مسألة بقاء.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News