في خطوة مثيرة للجدل تعكس رؤيته الحازمة للسياسة الدفاعية، أعلن البيت الأبيض، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيوقع أمرًا تنفيذيًا يقضي بإعادة تسمية وزارة الدفاع لتُعرف مجددًا باسمها التاريخي: "وزارة الحرب".


وبحسب البيان الرسمي الصادر عن الرئاسة الأميركية، فإن القرار يهدف إلى "إعادة الاعتبار للاسم التاريخي لوزارة الحرب"، ويُلزم وزير الدفاع باتخاذ جميع التدابير اللازمة لتطبيق التغيير بشكل نهائي. يأتي هذا القرار في إطار تعهد أطلقه ترامب مؤخرًا، معتبرًا أن الاسم الحالي "وزارة الدفاع" لا يعكس ما وصفه بـ"القوة والردع الهجومي" الذي تمثّله المؤسسة العسكرية الأميركية.

من "الجيش القاري" إلى وزارة الدفاع: نظرة على محطات تاريخية

تعود جذور وزارة الدفاع الأميركية إلى 14 يونيو/حزيران 1775، حين أقرّ الكونغرس القاري إنشاء الجيش القاري، ووضعه في اليوم التالي تحت قيادة الجنرال جورج واشنطن. وبعد الثورة، أعيد تنظيمه تحت اسم "جيش الولايات المتحدة".

في 7 أغسطس/آب 1789، أنشأ الكونغرس وزارة الحرب لتكون الجهة الرسمية المسؤولة عن إدارة الجيش والبحرية ومشاة البحرية. وفي عام 1798، فُصلت البحرية لتشكيل وزارة مستقلة.

مع تصاعد التحديات العسكرية في أوائل الأربعينيات، خضعت القوات المسلحة الأميركية لإعادة هيكلة شاملة شملت تأسيس القوات البرية والجوية وخدمات الدعم، استعدادًا للدخول في الحرب العالمية الثانية.

وفي 1943، افتُتح مبنى "البنتاغون" الشهير كمقر دائم للوزارة، بعد موافقة الكونغرس ووزارة الحرب على المشروع في ظل تزايد عدد موظفي الوزارة، الذي تجاوز حينها 24 ألفًا في منطقة واشنطن وحدها.

لاحقًا، وفي 26 يوليو/تموز 1947، غيّر قانون الأمن القومي بنية المؤسسة العسكرية الأميركية جذريًا، حيث دمج وزارتي الحرب والبحرية والقوات الجوية المنشأة حديثًا في كيان موحد هو "المؤسسة العسكرية الوطنية"، بقيادة وزير دفاع مدني. وبعد عامين، وتحديدًا في 10 أغسطس/آب 1949، عُدّل القانون ليُطلق رسميًا اسم "وزارة الدفاع" على هذه المؤسسة، وليُمنح وزير الدفاع سلطات موسعة، ويُلغى دور الوزراء المنفصلين لكل سلاح.

وزارة بحجم دولة

اليوم، تُعد وزارة الدفاع الأميركية أكبر جهة حكومية فيدرالية في الولايات المتحدة والعالم، تشرف على ستة فروع عسكرية (الجيش، البحرية، المارينز، القوات الجوية، قوات الفضاء، الحرس الوطني)، إلى جانب وكالات استخباراتية مثل وكالة الأمن القومي (NSA) ووكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA).

ويقع مقرها في مبنى البنتاغون في أرلينغتون - فيرجينيا، حيث يعمل أكثر من 23 ألف موظف مدني وعسكري. وتشرف الوزارة على أكثر من 3.5 مليون عنصر عسكري ومدني موزعين في أكثر من 160 دولة، وتدير 11 قيادة قتالية تغطي مهام جغرافية ووظيفية شاملة.

وبميزانية تجاوزت 841 مليار دولار في عام 2024، تُصنف وزارة الدفاع كأكبر صاحب عمل في العالم.

"وزارة الحرب": عودة إلى الجذور أم دعاية سياسية؟

كان الرئيس ترامب قد ألمح إلى هذه الخطوة خلال لقاءات إعلامية وتصريحات رسمية، مشددًا على أن "اسم وزارة الحرب أكثر دقة وقوة، ويتوافق مع الإرث العسكري والانتصارات الأميركية في الحربين العالميتين". وأوضح أن الاسم الجديد يعكس "الطابع الهجومي" للمؤسسة العسكرية الأميركية، بعيدًا عن الانطباع الدفاعي البحت الذي يتيحه الاسم الحالي.

وزير الدفاع، بيت هيغستث، أعلن دعمه العلني للفكرة، وصرّح أن "الأمر قادم قريبًا"، في إشارة إلى إجماع داخلي على هذه الخطوة داخل الإدارة الأميركية.

ومع أن تنفيذ القرار يتطلب موافقة الكونغرس، إلا أن مصادر قريبة من الإدارة أشارت إلى بحث خيارات قانونية بديلة لتجاوز العقبة التشريعية، وسط ترقّب سياسي واسع وتباين في الآراء داخل المؤسسة السياسية والعسكرية.

ما بين الرمزية والتحديات

إذا تم إقرار الأمر التنفيذي وتجاوز العقبات القانونية، فستكون هذه أول مرة منذ عام 1949 يُعاد فيها النظر في الاسم الرسمي للمؤسسة العسكرية الأميركية، ما يمثل تحولًا رمزيًا عميقًا في خطاب القوة الأميركية، ورسالة سياسية تحمل دلالات أبعد من التسمية.


المصدر : وكالات