يبدو أن ملف الكازينو لم يعد شأناً قضائياً صرفاً بقدر ما أصبح ساحة تجاذب سياسي بامتياز. ومع كل يوم يمر، تظهر خيوط التدخلات التي تضرب استقلالية القضاء في العمق، حتى بات القاضي النزيه عاجزاً عن محاكاة ضميره المهني، مكتفياً بترداد الادعاء الأساسي، المنحاز بدوره لغرض في نفس من يديره.


والنتيجة: إغفال وقائع دامغة يعرفها الجميع، والتشبث بتقرير يتيم بات معروفًا أنه مزيف، صاغه خبير فني لا يمتلك أدنى مقومات الكفاءة في مجالات الخبرة والتدقيق التقني.


هذا التقرير، الذي شكّل الأساس الوحيد للادعاء بالاختلاس من قبل النيابة العامة المالية، يضع سمعة القضاء والخبراء في مهب الريح. والأخطر أنه يعرّض حرية الأبرياء للضياع، ويزرع الشكوك في ثقة المواطنين بالمؤسسات. فهل يعقل أن يُبنى ملف بهذا الحجم على باطل؟ ومن يعوض المتضررين؟ أهكذا تبنى دولة القانون؟

والتحذير من هذا الجنون لحاصل في طريقة متابعة الملف، هدفه الإضاءة أيضًا على أنّ  التبعية السياسية للتحقيقات في هذا الملف لها ارتدادات خطيرة، ليس فقط على صورة القضاء، بل أيضاً على سمعة لبنان كدولة تسعى للنهوض بمؤسساتها. فكيف يمكن جذب استثمارات في ظل قضاء مكشوف أمام التدخلات؟ أليست الحماية الفعلية لاستقلالية القضاء هي الضمانة الأولى لاقتصاد مزدهر وثقة مستدامة؟

لذلك، فإنّ القاضي النزيه مدعو، أكثر من أي وقت مضى، إلى جمع الأدلة كاملة، التدقيق فيها بعمق، والأهم أن لا يظلم. فإذا كان هناك بالفعل اختلاسات، لماذا لم تتحرك الدولة ـ ممثلة بمجلس الوزراء ـ خلال أكثر من ثلاث سنوات لحماية مصالحها، وهي التي تتابع عائداتها شهرياً؟ ولماذا يُصر على تثبيت الادعاء بالجناية استناداً إلى تقرير باطل، فقط لتمديد التوقيفات وتشويه السمعة؟

اللافت أيضاً أن الخبير المالي المكلّف من قاضي التحقيق في قضية كازينو لبنان تجاوز اختصاصه ليتدخل في مسائل تخص قانون الشركات الخاصة، كرواتب الموظفين وحضورهم، وذهب أبعد من ذلك بطرح أحقية الكازينو في العمل "أونلاين" أو الاستعانة بخبرات أجنبية. هل الهدف من هذا التوسع إطالة أمد الخبرة إلى حين صدور تقرير يؤكد بطلان كل هذه الافتراءات؟ وهل يجوز تكوين قناعات في جرائم مالية قبل صدور تقرير خبير المحاسبة المختص؟

هذه الأسئلة ليست عابرة. إنها في صلب مسؤولية رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، الذي يُعوّل عليه لضمان استقلالية القضاء وحمايته من أي عبث سياسي. فالملف لم يعد مسألة قضائية تقنية بقدر ما أصبح قضية رأي عام تمس مستقبل العدالة وثقة اللبنانيين بدولتهم.

وإلى أن تتضح الإجابات، يبقى الأمل أن يسلك التحقيق مساراً جدياً ومسؤولاً، يثبت أن الجسم القضائي ما زال قادراً على حماية نفسه من الانحراف. لكن الواقع اليوم يكشف عن ميل خطير نحو خدمة أجندات سياسية وشخصية، على حساب مؤسسات يفترض أنها تُبنى، وعلى حساب مواطنين صالحين ورجال أعمال جديرين. إنها لحظة مفصلية: فإما أن ينهض القضاء بمسؤوليته، أو أن يستمر النزيف الذي يهدد ما تبقى من ثقة وعدالة في هذا الوطن.


المصدر : Transparency News