لم يكن خبر تعيين السفير فهد سالم سعيد الكعبي سفيرًا لدولة الإمارات العربية المتحدة في لبنان مجرّد خطوة دبلوماسية عابرة، بل بدا أشبه بإشارة حياة في قلب علاقة طويلة وعريقة كاد يغطيها الغبار السياسي لسنوات.


فمنذ أن أقفلت أبواب السفارة الإماراتية في بيروت عام 2021، شعر اللبنانيون وكأن نافذة أساسية على محيطهم العربي أُغلقت، فزاد الاختناق في بلد اعتاد على التنفس من علاقاته العربية، وعلى أن يجد في أشقائه سندًا وأفقًا وأملًا.

اليوم، يأتي هذا التعيين ليعيد وصل ما انقطع. فالإمارات، التي لطالما احتضنت اللبنانيين في بيوتها ومدنها، لم تتخلّ يومًا عن محبتها لشعب لبنان، حتى عندما فرضت الظروف السياسية مسافة قسرية. ظلّت العلاقات الشعبية بين البلدين عامرة بالودّ: مئات الآلاف من اللبنانيين يعيشون ويعملون في الإمارات، يرسلون بعرق جبينهم حياةً لعائلاتهم في الوطن، فيما الإمارات بدورها كانت دائمًا الحاضنة والمانحة والداعمة في الأزمات الكبرى، من إعادة الإعمار بعد الحروب إلى المساعدات في الكوارث.

إن اختيار فهد الكعبي بالذات ليس تفصيلًا. اللبنانيون يعرفونه منذ سنوات، حين كان قائمًا بالأعمال في بيروت، يتنقّل بين الدبلوماسية والرغبة الإنسانية في بناء الجسور. عرفوه بدماثته وقربه من الناس، بقدرته على نسج خيوط ثقة في زمن كانت الثقة عملة نادرة. واليوم يعود إلى بيروت سفيرًا كامل الصلاحيات، محمّلًا بذاكرة من العلاقات والخبرات، وبإرادة في أن يكون صلة الوصل الحيّة بين الإمارات ولبنان.

الحدث يحمل دلالة أعمق من مجرد تبادل السفراء. إنه رسالة بأن لبنان، رغم عثراته الكثيرة، ما زال حاضرًا في وجدان محيطه، وأن الإمارات لا تنظر إليه كملف سياسي عالق، بل كوطن عريق يستحق من يسانده ليقف مجددًا. وفي لحظة لبنانية مثقلة بالهموم، يشبه هذا التعيين نسمة دافئة تفتح النافذة على احتمالات أبهى: تعاون اقتصادي قد يتجدّد، استثمارات قد تعود، مبادرات إنسانية وثقافية قد تنبض من جديد.

لبنان يحتاج إلى هذه العودة العربية، لا كمساعدة ظرفية، بل كمدّ لجذور الانتماء والهوية. والإمارات، بتجربتها الناجحة في التنمية والحداثة، تملك الكثير مما يمكن أن تقدّمه لبلد يفتّش عن طريق الخلاص. ولعلّ الكعبي، بما عُرف عنه من حكمة ومرونة وحبّ للبنان، سيكون السفير الذي يترجم هذه الرغبة إلى خطوات عملية، في السياسة كما في الثقافة والاقتصاد، وفي العلاقات الإنسانية قبل كل شيء.

إنها ليست مجرد مراسيم دبلوماسية أُجريت في القصر الرئاسي بأبوظبي. إنها دعوة إلى الأمل، وإلى إعادة بناء الجسور بين بلدين لطالما جمعتهما الأخوّة، مهما حاولت السياسة أن تُثقل هذه الأخوّة بحمولات لا تشبهها. فلبنان والإمارات يتشابهان في كونهما أكثر من جغرافيا؛ هما حكاية ناس، وحكاية أجيال، وحكاية حب لا ينقطع وإن طال الغياب.


المصدر : Transparency News