خاص- الأزمة المصرفية في لبنان بين الجهل والتجاهل!
10-09-2025 05:09 PM GMT+03:00
أوهام بدلاً من الحقائق
الأزمة المصرفية في لبنان ليست مجرّد "شحّ سيولة" عابر. إنها انهيار بنيوي هو الأكبر في تاريخنا الحديث. أكثر من 80 مليار دولار تبخّرت، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد اللبناني. خلف هذا الرقم هناك مدّخرات عائلات، ومعاشات تقاعدية، ورأس مال كان يفترض أن يكون محرّكاً للنمو. لسنوات، قيل للبنانيين إن الحلول قادمة: قوانين جديدة، أو مؤتمرات صحافية، أو وعود بإعادة الرسملة. لكن الحقيقة واضحة: القوانين لا تُشرّع الثقة، والشعارات لا تعيد الأموال.
ما يمكن فعله
قانون جدّي لإعادة هيكلة المصارف
يجب الاعتراف بأن بعض المصارف قابلة للإنقاذ، وبعضها بحاجة إلى اندماج، وبعضها يجب أن يُصفّى. هذا ليس عقاباً، بل خطوة ضرورية لحماية ما تبقّى من النظام. القانون الفعّال يجب أن:
يحمي صغار المودعين بالكامل.
يحدّد بوضوح ترتيب تحمّل الخسائر: المساهمون أولاً، ثم حملة السندات، وأخيراً كبار المودعين.
يُنفّذ عبر سلطة مستقلّة، وبرقابة دوليةIMF أو الاتحاد الأوروبي.
إنشاء صندوق لاسترداد الودائع
الكبار لا يمكن تعويضهم بالكامل، لكن يجب أن يُعطوا مساراً واضحاً للاسترداد:
أسهماً في مصارف مُعاد هيكلتها.
سندات استرداد مرتبطة بإيرادات مستقبلية (نفط، خصخصة، أرباح المصارف الجديدة).
المفتاح هنا: الإدارة المستقلة بعيداً عن السياسة.
طلب دعم دولي بشروط
لبنان لا يزال قادراً على الاستفادة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي. لكن هذه المساعدات لن تأتي مجاناً؛ بل مشروطة بالشفافية، والتدقيق الجنائي، والإصلاحات في الحوكمة. هذه ليست "إملاءات"، بل صمامات أمان لحماية المال العام من التبديد مجدداً.
ما لا يمكن فعله
تشريع الثقة على الورق
الثقة تُبنى بالمصارحة والشفافية، لا بالقوانين الفارغة. اليابان في التسعينات خبأت الخسائر، والنتيجة كانت "العقد الضائع". لبنان لا يحتمل ضياع عقد جديد.
إنقاذ جميع المصارف
محاولة إنقاذ الكل ستُهدر الموارد وتُؤجّل التعافي. آيسلندا عام 2008 سمحت بانهيار ثلاثة بنوك كبرى، وحمت صغار المودعين فقط، ثم أعادت البناء. هذه الجرأة مطلوبة عندنا.
إعادة كل دولار
الوعد بردّ الودائع كاملة هو وهم وخداع. مع فجوة تتجاوز 80 مليار دولار، الاسترداد الكامل مستحيل. ما يمكن فعله هو حماية الصغار، وإنصاف المتوسّطين، وإعطاء الكبار أدوات استرداد حقيقية، لا أوراق بلا قيمة.
دور الرقابة: من الصمت إلى الفعل
لا إصلاح بلا رقابة مستقلّة. لسنوات، كانت مؤسسات الرقابة المالية صامتة أو خاضعة للسياسة. اليوم، مع تعيين قيادات جديدة في مصرف لبنان ولجنة الرقابة، الفرصة متاحة لإثبات الجدية:
مراجعة مستقلة لجودة الأصول.
تطبيق معايير الشفافية الدولية.
فرض المحاسبة وملاحقة المخالفات.
في الولايات المتحدة بعد أزمة 2008، نشرت نتائج اختبارات الضغط للعلن. هذا أعاد الثقة تدريجياً. المطلوب في لبنان هو نفس النهج: مصارحة لا تجميل.
السياق الأوسع: الأزمة أكبر من المصارف
حتى لو نجحنا في إعادة هيكلة المصارف، لبنان ما زال يواجه أزمات متشابكة:
القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي: إضعاف علاقاتنا مع المصارف العالمية.
القائمة السوداء الأوروبية: عائق أمام الاستثمارات والتحويلات.
التعثّر السيادي وانهيار التصنيف الائتماني: الدولة غير موثوقة في الأسواق.
العزلة السياسية والدبلوماسية، والتحديات الذي يواجها لبنان في تطبيق القرار الأممي 1701 ومندرجاته تزيد صعوبة جذب الدعم الخارجي.
كل هذا يثبت أن الحل المصرفي وحده غير كافٍ. المطلوب هو إعادة ضبط شاملة للحوكمة.
من الوهم إلى السيادة
ما لا يستطيع السياسيون فعله هو إعادة الزمن إلى الوراء، أو إعادة كل دولار، أو إنقاذ كل مصرف. لكن ما يستطيعون فعله، إذا توفرت الإرادة، هو:
مصارحة الناس بالحقيقة.
توزيع الخسائر بعدالة.
حماية صغار المودعين.
إعطاء الكبار أدوات استرداد جدّية.
تمكين الرقابة المستقلة.
إدماج الإصلاح المصرفي في عملية أوسع لإعادة بناء الدولة.
المطلوب من الناس أن يرفضوا الأوهام، ويُطالبوا بالحقائق. المطلوب هو العدالة، لا المساومات. الثقة لا تُشرّع. الثقة تُبنى بالفعل، بالشفافية، وبالمحاسبة.
اللبنانيون يستحقون نظاماً مصرفياً يحترمهم كمودعين، لا كنظام يراهم كضحايا دائمين.








