كيف ينتهي “حزب الله”؟
11-09-2025 08:09 AM GMT+03:00
يتدثر "حزب الله" برداء العصبوية المذهبية المفرطة، إلى درجة الادعاء بامتلاك علاقة خاصة واحتكارية مع الله، فيما يوظف جيشًا من الناشطين الإلكترونيين لبث مناخات متوترة تهدف إلى إرباك خصومه، من الدولة وصنّاع القرار، وصولًا إلى بعض حلفائه السابقين، في محاولة لدفع الجميع إلى موقع الدفاع.
هذه الاستراتيجية ليست إلا تعبيرًا عن أزمة سردية يعيشها الحزب، إذ يسعى من خلالها إلى التغطية على انتقاله من موقع الفاعل المهيمن محليًا والمشارك إقليميًا، إلى موقع ردّ الفعل. وهذا التحول الجوهري يعكس واقع مشروعه الذي بات بمثابة "جثة سياسية" مؤجّل إعلان موتها بسبب التنافس على تحديد موعد دفنها بين أطراف عدّة، في مقدمتها الدولة اللبنانية.
تشبه هذه "الجثة السياسية" حال الحكّام الذين أخّر محيطهم الإعلان عن وفاتهم بانتظار ترتيب المشهد وتقاسم الإرث. بل صارت أقرب إلى "منسأة" نبي الله سليمان، التي يتمسّك بها النظام الإيراني، محاولًا حماية مشروعه عبر الوهم، لأن أي محاولة جديّة للمسّ بها قد تؤدي إلى سقوطه الرمزي والسياسي، حتى وإن ظل بنيانه قائمًا.
أما في لبنان، فالانهيارات لم تأتِ فجأة، بل نتيجة تراكمات طويلة تسللت ببطء كما الماء إلى أساسات البناء حتى صدّعته. وكما كان الانهيار المالي حصيلة سياسات متراكمة، جاء انفجاره حاملاً معه بذور انهيار مشروع الحزب. ولعل حسن نصر الله استشعر هذا الخطر، فاندفع في خطاباته نحو التصعيد والتخوين، من دون تقديم آليات دفاع سياسية فعالة.
ورغم ذلك، قد تستمر هذه "المنسأة" لسنوات، إلى أن يتدخل فاعل داخلي أو خارجي ويلمِزها، فتسقط الجثة التي تستند إليها. التاريخ اللبناني يُذكّر بتجربة منظمة التحرير الفلسطينية، التي خرجت من بيروت بعد اجتياح 1982، لكنها ظلت مؤثرة سياسيًا، قبل أن يحاصرها حافظ الأسد بالانقسامات الداخلية ويطرد ياسر عرفات من طرابلس، عبر تحريك "حركة أمل" في حرب المخيمات للقضاء على نفوذه. منذ ذلك الوقت تحول الوجود الفلسطيني في لبنان إلى طابع اجتماعي محدود الاستثمارات السياسية والأمنية.
هذا المشهد يقرأه صنّاع القرار اليوم، وفي طليعتهم رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي يسعى لالتقاط الفرصة كي لا يظهر "حافظ" آخر يوكل إليه إسقاط "منسأة" حزب الله. منذ انتخابه، اعتمد عون سياسة الخطوات الصغيرة المدروسة، على طريقة الملاكم الذي يوجّه ضربات متتالية بانتظار اللحظة المناسبة لتسديد الضربة القاضية. فمنذ خطاب القسم والبيان الوزاري، خفّف من وتيرة الضغوط المباشرة، لكنه في موازاة الحوار مع الحزب راح يراكم خطوات تفكيك نفوذه: من جمع السلاح جنوب الليطاني، إلى تعيين قادة المؤسسات الأمنية وإجراء مناقلات داخلها.
كما بنى توازنًا سياسيًا ناجحًا مع رئيس الحكومة، تُرجم في جلسة 5 آب التي شكلت محطة تاريخية للجمهورية، قبل أن يوازن لاحقًا بين المسار الداخلي والضغوط الخارجية ضمن الإمكانات المتاحة. وبالاعتماد على تبادل منظم للأدوار مع الرئيس نواف سلام، تمكن من جذب نبيه بري إلى الوسط، عبر جلسة 5 أيلول التي عززت موقعه ومكّنته من احتواء شريكه في الثنائية، بانتظار تسوية شاملة تحفظ موقع الطائفة الشيعية داخل الدولة.
وفي نهاية المطاف، استطاع رئيس الجمهورية انتزاع موافقة الحزب على خطوات إضافية تحجّم حركته، بدءًا من منع تنقلات المسلحين والصواريخ، وصولًا إلى القبول بالخروج من جنوب الليطاني. ورغم أن خطة الجيش لم تحدد سقفًا زمنيًا لذلك، إلا أنها قد تتحول لاحقًا إلى ما ينسجم مع قرارات الحكومة. عون لا يسعى إلى مواجهة مفتوحة مع الحزب، لكنه يدرك أن إسقاط "منسأته" يتطلب صدمة مدروسة لا تكون مرتفعة الكلفة، ويكون قرارها حصريًا بيد الدولة.
وفي خضم هذه التطورات، يواصل الرئيس عون، بالشراكة مع نواف سلام، سياسة الإطباق على الحزب من مختلف الجوانب. لكن استهداف إسرائيل للدوحة حمل إشارة واضحة على أن المعادلات القديمة لم تعد قائمة، ما قد يدفع الدولة اللبنانية إلى تقريب موعد "الصدمة" كي تحافظ على زمام المبادرة وتمنع تدخلات خارجية غير محسوبة. ويبقى السؤال: ما طبيعة هذه الصدمة؟ وهل يمكن أن تكون مثلًا باعتقال أحد قادة الحزب البارزين؟
المصدر : نداء الوطن








