الجنوب اللبناني يعيش تحت وطأة حرب نفسية واقتصادية خانقة، إذ يشهد القطاعان التجاري والصناعي شللاً شبه تام، فيما تجمّدت حركة العقارات وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق. المواطنون باتوا الحلقة الأضعف أمام التصعيد الإسرائيلي المستمر، وسط قلق من حرب مفتوحة وانعكاسات مالية ومعيشية قاسية، تزيدها ضرائب ورسوم بلدية تثقل كاهلهم أكثر.


لا تزال الأوضاع في جنوب لبنان غامضة، لكن الثابت أن حجم الخسائر في القطاعين التجاري والصناعي كبير، مع توقف شبه كامل في مختلف المصالح. حتى سوق العقارات تعاني من جمود غير مسبوق، حيث توقفت الحركة تماماً بانتظار تبلور المشهد.

الناس في حالة ترقّب، فيما يتريّث التجار والمستثمرون قبل اتخاذ أي قرارات. صورة الحرب هي الحاضر الأكبر، وما يرافقها من قلق انعكس مباشرة على الأسواق التي تعاني جموداً حاداً وارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار. حتى الزيادة الحكومية الأخيرة على يومية العامل من 850 ألف ليرة إلى مليون و300 ألف ليرة، ذابت كلياً في موجة الغلاء، ولم تؤثر في القدرة الشرائية.

الخوف من التصعيد وتردّي الأوضاع الاقتصادية يثقلان حياة الناس، فيما الأسواق تدفع الثمن. ومن السابق لأوانه التكهّن بما تحمله الأيام المقبلة، في ظلّ التصعيد الإسرائيلي المستمر، وما إذا كان سيفضي إلى حرب مفتوحة أشدّ قسوة مما شهده الجنوب في محطات سابقة.

الثابت الوحيد في هذا المشهد هو أن المواطن يبقى الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الثقيلة. وفي جولة ميدانية لصحيفة "نداء الوطن" على الدوائر الرسمية والمدن الصناعية والمحال التجارية، كانت الخلاصة واحدة: "ما في شغل… الكل ناطر". حتى العقارية في النبطية، التي كانت تضجّ بالوافدين، باتت شبه خالية.

يقول أحد معقّبي المعاملات: "فرضية الحرب جمّدت السوق، الكل يفضل الاحتفاظ بالسيولة بدل البيع أو الشراء". ويضيف أن سوق العقارات التي شهدت فورة كبيرة قبل الحرب وأيامها الأولى، دخلت اليوم في جمود كامل بفعل ارتفاع كلفة المعاملات و"الكومسيون".

الوضع نفسه ينسحب على المدن الصناعية التي نشطت لفترة وجيزة بعد الحرب ثم عادت إلى الركود. أبو فؤاد، الميكانيكي المخضرم، يصف الحال قائلاً: "الزبون اللي بيجي كأنه يشتري قطعة ذهب… ما في حركة، الناس كلها خائفة ومترقبة".

المشهد الجنوبي اليوم يُختصر بالخوف والتريّث، والأسواق تنام على قلق حرب آتية أو ربما لا. أبو فؤاد يوضح: "الناس عم تفكّر مرتين قبل أي صرف… بيفضلوا يحتفظوا بسيولة خوفاً من الحرب أو النزوح، لأنهم جرّبوا ويلات النزوح بالموجة الأولى".

الجنوبيون يواجهون اليوم حرباً من نوع آخر: "الحرب النفسية". توترات وصدمات يومية تترك أثرها العميق، رغم أنهم اعتادوا الحروب من عدوان تموز إلى أيلول 2024. لكن العدوان الحالي مختلف، أشدّ تأثيراً وأقسى وقعاً. عبارة "ما منعرف وين رح يضرب" تتردّد على ألسنة الناس، لتُختتم بتنهيدة جماعية: "تعبنا".

الأزمة انعكست أيضاً على عمل البلديات، التي دخلت في حالة جمود، خلافاً لما كان متوقعاً بعد الانتخابات البلدية الأخيرة. فبدل أن تحمل هذه الانتخابات بعض الأمل، أتت البلديات الجديدة بحزمة ضرائب ورسوم تثقل كاهل المواطنين، في محاولة لرفد صناديقها الفارغة.

معظم الصناديق اليوم "مفلسة"، فيما رفعت الأحزاب الغطاء المالي عنها، مطالبة البلديات برفع الرسوم. برزت أيضاً "بدعة الهبة" التي تُفرض على كل من يريد إنجاز معاملة بلدية، بحجة "خفض التخمين"، لكنها تصل أحياناً إلى 1000 أو 2000 دولار، ومن يرفض تُفرض عليه رسوم مرتفعة كعقوبة.

هذا الواقع بات يقضّ مضاجع المواطنين، فيما البلديات لا تضع أي خطط طوارئ تحسباً لحرب محتملة. أبو فؤاد يوضح أن الوضع انعكس على حركة العمل في المناطق الصناعية، بينما الاستهدافات الإسرائيلية شلّت المنطقة بالكامل. ويقول: "ما عم نطلع مصروفنا… الكارثة إذا حدا مرض، لأن فاتورة الاستشفاء بتعمل جلطة".

في النبطية كما في الجنوب كله، لم تلتئم بعد جراح الحرب، فالتداعيات حاضرة بقوة. حتى يسرى، صاحبة دكان صغيرة، تسجّل خسائر يومية وتقول: "كل يوم بيجينا التاجر بسعر جديد وأعلى… ذاب رأس المال بالغلاء، والوضع عم يتراجع يوم عن يوم. الحرب والغلاء وقلة الحيلة عم تقتلنا".

وتضيف: "ما بقى قادرين نتعامل مع الوضع… لا رقابة ولا تفسير منطقي للارتفاعات اليومية".


المصدر : نداء الوطن