يوسف يونس


مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، تزداد أهمية التمسّك بالاستحقاقات الدستورية بوصفها حجر الزاوية للحياة الديمقراطية في لبنان. فالمواعيد الدستورية ليست تفصيلاً إجرائياً يمكن التلاعب به أو تجاوزه، بل تمثّل جوهر النظام السياسي وركيزة استمراره على أسس سليمة. ومن هنا، تبدو أي محاولة لتأجيل الانتخابات أو الالتفاف على إجرائها في وقتها وكأنها استهداف مباشر لروح الديمقراطية نفسها.

في هذا السياق، يبرز ملف اقتراع المغتربين كإحدى القضايا الأكثر حساسية في المرحلة الحالية. فحق الانتشار اللبناني في الاقتراع ليس مسألة تقنية أو تفصيلية، بل ركيزة أساسية لتكريس المساواة بين اللبناني المقيم والمغترب. هذا الحق يمنح المغترب فرصة المشاركة الفعلية في صناعة القرار الوطني، ويعزّز ارتباطه ببلدته ووطنه الأم. لذلك جاءت المطالبة الملحّة بتعديل القانون الانتخابي الحالي، ولا سيّما عبر إلغاء المادة 112 منه، بما يتيح للمغتربين التصويت لـ 128 نائبًا أسوةً بالمقيمين، بدلًا من حصر أصواتهم بستة نواب فقط، وهو ما يشكّل انتقاصاً من مبدأ المساواة الدستورية.

القوات اللبنانية التقطت خطورة هذا المسار، فتقدّمت داخل مجلس الوزراء باقتراح لإحالة مشروع قانون معجّل يضمن حق الانتشار في الاقتراع الشامل. غير أنّ الحكومة اكتفت بتكليف وزير الداخلية رفع ملاحظاتها إلى اللجنة النيابية المختصّة.

ولعلّ الأخطر أنّ مصادر سياسية كشفت عن أطراف تحاول استخدام صعوبة تطبيق اقتراع المغتربين كذريعة لتأجيل الانتخابات برمّتها. هكذا يتحوّل ملف المغتربين من حق دستوري بديهي إلى ورقة تعطيل بيد البعض، ما يضع لبنان أمام خطر تطيير الاستحقاق النيابي برمّته.

وفي هذا الإطار، شدّد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على خطورة المرحلة، فأصدر بيانًا اعتبر أنه  "بعدما أصبح موقف الحكومة واضحًا في شأن الملاحظات والتعديلات الواجب إدخالها على قانون الانتخاب الحالي، وبعدما كلّفت وزير الداخلية نقل هذه التعديلات والملاحظات إلى اللجنة النيابية الفرعية المكلّفة دراسة القانون، يبقى على رئيس اللجنة، نائب رئيس المجلس النيابي النائب إلياس بو صعب، أن يدعو إلى اجتماع في أقرب وقت ممكن، لأخذ ملاحظات الحكومة في الاعتبار والقيام بما يلزم، تمهيدًا لإجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها من دون أي تأخير، لا سيّما أننا أصبحنا على مشارف بدء تسجيل الناخبين."

إنّ الرسالة واضحة، فاقتراع المغتربين ليس تفصيلاً، بل عنوان لمعركة سياسية كبرى على جوهر الديمقراطية اللبنانية. فأي محاولة لعرقلته أو الالتفاف عليه ستُقرأ كمسعى لضرب الاستحقاق الانتخابي من أساسه. وفي المقابل، تبقى مطالبة القوات اللبنانية، ومعها قوى سياسية أخرى، ثابتة بانتخابات شاملة يشارك فيها جميع اللبنانيين، في الداخل كما في الانتشار، بلا تمييز أو استثناء.


المصدر : Transparency News