ديان سامر اللبان - طالبة ماجستير في الجامعة اللبنانية وباحثة في التنمية الاقتصادية والإجتماعية


لبنان اليوم لا يواجه أزمة مالية فحسب، بل يعيش حالة مركّبة من الانهيار الإنساني والمؤسساتي. انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، وجائحة كوفيد-19، والعدوان الإسرائيلي الأخير، لم تكن سوى فصول متتالية في مسلسل الانهيار، تضافرت مع عقود من الفشل السياسي والشلل المؤسساتي، لتترك الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها أو الوفاء بالتزاماتها. النتيجة كانت مأساة اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة: فقر متفشٍّ، تراجع في الخدمات الأساسية، وانعدام ثقة كامل بين المواطن والدولة.

في ظل هذا الواقع، لا يكفي الحديث عن إعادة هيكلة تقليدية للدين السيادي. المسألة لم تعد حسابات أرقام وفوائد فقط؛ إنها معركة وجودية للحفاظ على مقوّمات البقاء. المطلوب اليوم هو إعادة هيكلة على أسس إنسانية، تضع حياة الناس وكرامتهم في قلب أي تسوية مع الدائنين.

 

موازنة 2026 والغائب الأكبر...

الحكومة أعدّت مشروع موازنة عام 2026، وستباشر مناقشته في مجلس الوزراء. لكن الملفت أنّ هذه الموازنة لم تلحظ أي بند يتعلّق بخدمة الدين السيادي. هذا الغياب يعكس حقيقة مزدوجة: العجز المالي من جهة، والتردّد السياسي من جهة أخرى. من هنا، تصبح اللحظة مناسبة وأكثر من ضرورية لطرح خيار إعادة الهيكلة الإنسانية كخيار عملي لا مفر منه.

 

أرضية إنسانية للإنفاق الاجتماعي

الميزة الجوهرية لهذا الطرح هي تخصيص جزء من خدمة الدين لصالح الإنفاق الاجتماعي المُلزم قانوناً وعقدياً. بمعنى آخر: تحويل أعباء غير مؤكّدة (تعثرات وفوائد غير مدفوعة) إلى استثمارات مضمونة في بقاء المجتمع. الأولوية يجب أن تكون:

  • تزويد مراكز الرعاية الصحية الأولية بالأدوية واللقاحات.
  • إبقاء الأطفال في المدارس من خلال الوجبات اليومية والدعم للنقل.
  • تمويل شبكة الأمان الاجتماعي الطارئة لضمان تحويلات نقدية ثابتة للأسر الأكثر فقراً.
  • توفير حدٍّ أدنى من الكهرباء للمنازل والمستشفيات والمدارس.

هذه ليست بنود إنفاق إضافية، بل أرضية إنسانية لا يمكن للبنان ولا للدائنين التفاوض عليها.

 

الثقة من خلال الشفافية

التجارب الدولية أثبتت أنّ الدائنين يصبحون أكثر استعداداً للتنازل عندما يرون أنّ أموالهم لا تذهب هدراً بل تتحوّل إلى خدمات ملموسة تحت رقابة مستقلة. من هنا، يُقترح إنشاء صندوق تثبيت اجتماعي للبنان (Lebanon Social Stabilization Trust)  تديره جهة محايدة مثل البنك الدولي أو الأمم المتحدة، تُحوّل إليه وفورات خدمة الدين ويُصرف منها فقط عند تحقق مؤشرات واضحة: أدوية موزّعة، طلاب في المدارس، أسر مدعومة، ساعات تغذية كهربائية مضمونة.

اللجنة المشرفة يجب أن تضم ممثلين عن الوزارات المعنية، إلى جانب خبراء مستقلين، وممثلين عن الدائنين، وصوت للمجتمع المدني. والشفافية تقتضي نشر تقارير فصلية على الملأ، وإطلاق منصّة إلكترونية تسمح للمواطن بتتبع أثر كل دولار.

 

قيمة مضافة للدائنين أيضاً

إعادة الهيكلة الإنسانية ليست تنازلاً من طرف واحد. الدائنون أنفسهم لديهم مصلحة. ففي زمن الاستثمارات وفق معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) يمكن إدراج البنود الاجتماعية كجزء من التزامات الدائنين. بدل أن يُنظر إلى التخفيضات كخسائر صافية، يمكن تقديمها كرأسمال معنوي: استثمار في الاستقرار الإنساني للبنان. مؤشرات مثل نسبة التلقيح أو معدلات الحضور المدرسي أو ساعات التغذية الكهربائية يمكن اعتمادها كأدوات قياس في تقارير ESG الخاصة بالمستثمرين.

 

نحو عقد اجتماعي جديد

هذه المقاربة تنقل لبنان من منطق "تسويات مالية" إلى منطق "عقد اجتماعي إنساني". بالنسبة للمواطن، الرسالة واضحة: المفاوضات الدولية ليست صفقات غامضة، بل التزامات ملموسة لإنقاذ حياته. بالنسبة للدائن، هناك ضمانة بأن التنازلات تتحول إلى استقرار. أما بالنسبة لصانع القرار، فهي فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ربط الإصلاح المالي بقاعدة إنسانية متينة.

من دون هذا البُعد الإنساني، كل إصلاح آخر، من إعادة هيكلة المصارف إلى إصلاح المؤسسات، سيبقى مهدداً بالانفجار الاجتماعي. أما مع هذا البُعد، يمكن للبنان أن يبرهن أنّه قادر، حتى في قلب الانهيار، على صياغة مسار مختلف: مسار يُعيد للإنسان مكانته، ويمنح الوطن فرصة للتجديد.

 هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News