أنطوان سلمون


قد يكون خير من عبّر عمّا آل إليه اتفاق الطائف في نسخته السورية بعد اغتيال الرئيس رينيه معوّض، هو النائب السابق ألبير منصور، الذي لم يكن يومًا بعيدًا عن النظام السوري أو عن المنظومة الأمنية السورية–اللبنانية.

فغداة الانتخابات النيابية الأولى عام 1992، أصاب منصور في عنونة كتابه "الانقلاب على الطائف"، لينسب هذا الانقلاب إلى النظام السوري وأتباعه في لبنان.

وقد كتب حرفيًا: "قبله البعض على نية تنفيذه وفق مصالحه فمكر وفجر وربح. وقبله بعض آخر على أنه الحل الوحيد المتوفر فاستسلم. وقبله بعض أخير بفهم واقتناع على أنه حلّ لحاضر أليم وانفتاح ممكن على مستقبل واعد، فاضطهد وقُهر وأُبعد ونُكّل به.

الجميع أصرّ ويصرّ على تنفيذه نصًا وروحًا. وأمّا أهله، فأُلقي بهم خارجًا". أما الحديث اليوم، الذي تعلنه بعض المراجع السياسية وتروّج له الأحزاب وتتصدره المنصّات والصحف ووسائل الإعلام عن ضرورة تنفيذ "الطائف من ألفه إلى يائه"، فإنه يفتقر إلى الدقة إذا لم يُستَحضر ما شاب تنفيذ "ألف باء" الطائف من عراقيل وشوائب وانقلابات مبكرة، كرّست ازدواجية المعايير وأبقت الدولة رهينة وصايات متناقضة.

اتفاق الطائف نصّ بوضوح على حلّ جميع الميليشيات اللبنانية خلال ستة أشهر من التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق، وعلى إعادة تمركز القوات السورية في البقاع خلال سنتين كحد أقصى. لكن ما جرى مختلف تمامًا: فـ"الألف" المتمثل بحلّ الميليشيات لم يُطبّق على ميليشيا حزب الله بقرار سوري مباشر.

وهو ما كشفه منصور نفسه عام 1993 حين كتب: "ميليشيا حزب الله في البقاع والجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت لم تسلّم قطعة سلاح واحدة ولم تُخرج من لبنان قطعة سلاح. لم يُطبّق اتفاق الطائف، لقد جرى الانقلاب عليه باكرًا جدًا".

ولعلّ ما قاله القيادي في الحزب محمد فنيش في مقابلة مع صحيفة الديار (15 كانون الثاني 1991) يوضح أكثر: "في اتفاق الطائف نصّ لحل الميليشيات. هل المقاومة التي ضحّت وجاهدت وقدّمت الشهداء هي في الموقع نفسه مع الميليشيا التي استقدمت الاحتلال وتعاونت معه؟ اتفاق الطائف غير واضح في هذه المسألة، وهناك تجاهل لدور المقاومة".

أما الشيخ نعيم قاسم فقد كتب في كتابه "حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل" (ص.164): "أسئلة صعبة واجهت حزب الله مع تكوين دولة الطائف بالنسبة لقرار الدولة تجريد الميليشيات من سلاحها.

وبما أنّ الحزب بنى أولويته على المقاومة، حصل على ضمانات سورية بعدم التعرّض له. هذا القرار السياسي أخرج حزب الله من دائرة البند الوارد في الطائف".

لم يتأخر الانقلاب على بند "بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها" أيضًا. فبدل الالتزام بالجدول الزمني للانسحاب السوري، بقيت القوات السورية في لبنان حتى العام 2005. وعندما أعلن بشار الأسد في 5 آذار 2005 انسحاب جيشه، قال: "بإنهاء هذا الإجراء تكون سوريا قد أوفت بالتزاماتها حيال اتفاق الطائف ونفذت مقتضيات القرار 1559". إقرار متأخر بعد ربع قرن، يكشف حجم الانقلاب الذي حصل على الطائف من لحظته الأولى، حيث سقطت "ألف باء" الاتفاق قبل الوصول إلى "الياء".

منذ البدايات، كان الطائف رهينة التأويل السوري والانقلاب على روحه ونصوصه، فاستُثني حزب الله من حلّ الميليشيات، وأُجّل الانسحاب السوري لعقود. واليوم، حين يرفع البعض شعار "تنفيذ الطائف من ألفه إلى يائه"، يغفل حقيقة أنّ الانقلاب وقع باكرًا جدًا، وأن استعادة جوهر الطائف لا تكون بالشعارات، بل بمواجهة الوقائع، فيصدق هنا كلام بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية 13:3 بحق المنقلبين المطالبين: "حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ".


المصدر : Transparency News