محمد فحيلي، باحث مقيم في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)


أقرّت الحكومة اللبنانية في 22 أيلول 2025 مشروع الموازنة العامة للعام 2026، وقدّمته للرأي العام بوصفه إنجازاً مالياً جديداً. المشروع، للوهلة الأولى، يبدو متوازناً: لا ضرائب جديدة، ولا عجز مُعلن، وحجم إنفاق يوازي حجم الإيرادات. لكن خلف هذه الصورة “المحسوبة” تبرز أسئلة جوهرية: هل تكفي هذه الموازنة لتثبيت الاستقرار المالي والاجتماعي؟ أم أنها استمرار في إدارة الأزمة بالحد الأدنى، بعيداً عن الإصلاحات البنيوية المطلوبة داخلياً وخارجياً؟

أبرز المعطيات

إقرار المشروع. أُقرّ في جلسة لمجلس الوزراء برئاسة الرئيس نواف سلام في السراي الكبير بتاريخ 22 أيلول 2025.

النهج االضريي. لم يتضمن المشروع ضرائب جديدة أو زيادة في المعدلات، بل ركّز على تفعيل الالتزام الضريبي وتحسين تقدير الواردات.

الأرقام الكلية. قُدِرَت الإيرادات والنفقات بنحو505.7 ترليون ليرة (5.65 مليارات دولار على سعر صرف 89,500 ل.ل./$)، أي بزيادة 18% عن موازنة 2025.

الأجور في القطاع العام. لم يتضمّن المشروع أي تصحيح للرواتب أو معاشات المتقاعدين، رغم أنّ كتلة الأجور وملحقاتها تلتهم جزءاً أساسياً من الموازنة.

ملاحظات نقدية. تقارير صحافية أشارت إلى ثغرات تشمل غياب قطع الحساب، واعتمادات استثنائية، ومضاعفة بعض الرسوم، مع جدل حول واقعية تقدير العجز.

الموقف الدولي. بعثة صندوق النقد الدولي دعت إلى موازنة أكثر طموحاً، إصلاحات ضريبية أوسع، وحيّز اجتماعي أكبر، وأبدت قلقها من التراجع عن رسوم المحروقات وقدرة الدولة على التمويل.

الأرقام الرئيسية

الإيرادات الضريبية 416 تريليون ليرة (82% من الإجمالي).

الإيرادات غير الضريبية 89.5 تريليون ليرة (18%).

االنفقات. الرواتب والأجور وملحقاتها (22%)، التقديمات الاجتماعية (26%)، التحويلات (12%)، النفقات الاستثمارية (11%)، والمصاريف الإدارية (10%).

ورغم التركيز على تصفير العجز، إلا أنّ هذا التوازن يبدو شكلياً، إذ يراه الخبراء انعكاساً لمناورات محاسبية أكثر منه نتيجة إصلاح مالي حقيقي.

الخيارات السياسية والاقتصادية

اعتمدت الحكومة سياسة الحد الأدنى :

فرض رسم إضافي بنسبة 3% على الاستيراد.

رفع رسوم الهوية من 5,000 إلى مليون ليرة.

مضاعفة الغرامات على التأخير الضريبي.

في المقابل، لم تُعالج جذور أزمة القطاع العام ولا أعيدت هيكلة النفقات بما يضمن استدامة مالية أو عدالة اجتماعية، ما يعكس هشاشة في المقاربة: تحميل المواطن كلفة إضافية من دون أي تعويض أو حماية اجتماعية حقيقية.

السياق الخارجي

تأتي الموازنة في ظل بيئة دولية ضاغطة:

استمرار إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لـ FATF.

بقاءه على اللائحة السوداء الأوروبية.

تراجع الثقة بالنظام المالي، ما يحرم البلاد من التمويل الخارجي والاستثمارات.

هذه المعطيات تجعل أي موازنة، مهما بُنيت على معادلة صفر عجز، غير كافية لاستعادة ثقة المجتمع الدولي أو جذب دعم مالي جدي.

قراءة موضوعية

مشروع موازنة 2026 يمكن وصفه بأنه توازن شكلي مقابل واقع مختل:

على الورق، أرقام منضبطة، نمو نسبي في الإيرادات، توازن محاسبي.

في الواقع، غياب خطة لإعادة هيكلة القطاع العام، استمرار الاعتماد على ضرائب ورسوم غير مباشرة، وتجاهل لمطلب العدالة الاجتماعية.

الأخطر أنّ المشروع لم يُدمج في رؤية إصلاحية شاملة تُعيد الثقة بالاقتصاد اللبناني: لا خطة تعافٍ واضحة، ولا توافق مع متطلبات صندوق النقد، ولا معالجة جدّية لتداعيات التصنيف الدولي للبنان كدولة عالية المخاطر.

مشروع موازنة 2026 ليس أكثر من انعكاس لنهج قائم على إدارة الأزمة بالقطعة، وشراء الوقت عبر أرقام متوازنة حسابياً لكنها فارغة إصلاحياً. الموازنة، في جوهرها، ليست جداول حسابية فحسب؛ بل أداة سياسية واجتماعية تحدد صورة الدولة أمام مواطنيها وشركائها الدوليين. وإذا استمرّت السلطة في التعاطي مع المالية العامة بهذا الشكل، فإنّ العجز الحقيقي لن يكون في الأرقام، بل في القدرة على استعادة الثقة داخلياً وخارجياً.


المصدر : Transparency News