مشروع قانون الفجوة المالية
27-09-2025 06:17 PM GMT+03:00
نيمرّ لبنان منذ خمس سنوات بأزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، صنّفتها المؤسسات الدولية من بين الأشدّ في التاريخ الحديث. وفي قلب هذه الأزمة تبرز "الفجوة المالية"، أي الفارق بين التزامات المصارف تجاه المودعين وبين ما تملكه فعلياً من أصول وسيولة قابلة للاسترداد. وتُقدَّر هذه الفجوة اليوم بأكثر من سبعين مليار دولار، وهي حصيلة مباشرة لسياسات مالية ونقدية خاطئة، تراكم للهندسات المالية، إنفاق عشوائي، تثبيت سعر صرف وهمي، وغياب تشريع يضبط حركة الرساميل.
في ظل هذا الانهيار، تتصرّف السلطة السياسية والمالية وكأنها تملك حق توزيع الخسائر، متناسية أنها السبب الأول في إنتاجها. واليوم يطلّ ما يُسمّى "قانون الفجوة المالية" باعتباره حلاً لأزمة الودائع، لكنه في جوهره لا يعدو كونه محاولة لشرعنة الخسائر وتصفية ممنهجة على حساب المودعين.
وبحسب ما تسرّب من تفاصيل، يقوم القانون على شطب نسبة كبيرة من الودائع وتحويل ما تبقّى إلى سندات طويلة الأجل عديمة الجدوى، ما يجعل المودع، وهو الضحية الأولى، يتحوّل قسراً إلى دائن طويل الأجل أو مساهم في مصارف متعثّرة. وفي المقابل، تبقى مساهمة الدولة والمصارف محدودة، فيما الغائب الأكبر هو العدالة والشفافية.
الأخطر أنّ المشروع يتجاهل استحقاق التدقيق الجنائي، ويتعامل مع الأزمة كأنها مجرّد أرقام في جداول محاسبية، متناسياً أن الانهيار دمّر حياة الناس: فقر متصاعد، هجرة متسارعة، وخدمات عامة تنهار تباعاً. وأي معالجة لا تضع الإنسان في صلب الحل محكوم عليها بالفشل.
التجارب الدولية واضحة: في الأزمات الكبرى تُحمَّل الخسائر أولاً للمساهمين وكبار الدائنين، وتُحمى حقوق صغار المودعين. أما في لبنان، فالمعادلة مقلوبة. لذلك يظل السؤال مطروحاً بإلحاح: هل نحن أمام قانون يُعيد بناء الثقة ويحمي المودعين، أم أمام قرار تصفية مزيّن بشعارات الحلّ؟
مضمون الطروحات
المقترحات التي يجري تداولها تحت عنوان "قانون الفجوة المالية" أو "قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع" تقوم على الآتي:
شطب قسم من الودائع، يصل في بعض الطروحات إلى 40% عبر تصنيفات مثل: ودائع غير مشروعة، فوائد مبالغ فيها، تحويلات من الليرة إلى الدولار بعد تشرين 2019، وأموال محوّلة إلى الخارج لم تعد.
توزيع الخسائر بين أربعة أطراف: المودعون (الحصة الأكبر)، مصرف لبنان (جزء من الأصول والسيولة)، الدولة (مساهمة محدودة بسندات)، والمصارف (رسملة متواضعة لا تتعدى 20%).
آليات سداد طويلة الأجل تمتد بين 5 و25 سنة، معظمها عبر سندات منخفضة أو معدومة الفائدة، بما يحوّل المودع إلى دائن طويل الأجل أو مساهم قسراً في مصارف متعثرة.
الثغرات الجوهرية
القانون بصيغته المتداولة يثير جملة من الملاحظات الجوهرية:
تحميل المودع الكلفة الأكبر رغم أنه الضحية الأولى، عبر تشريع "الهيركات" وتحويله إلى نص قانوني محمي من الطعن.
تبرئة الدولة من مسؤوليتها الأساسية، إذ تتنصّل من وضع أصولها العامة على الطاولة، مكتفية بسندات محدودة، رغم أنها أكبر مدين وأحد أبرز مسبّبي الانهيار.
حماية المصارف والنخبة المالية والسياسية، عبر مساهمات رمزية مقارنة بالأرباح الضخمة التي جنتها سابقاً.
غياب الشفافية والتدقيق الجنائي، حيث يجري نقاش الأرقام من دون أساس محاسبي موثوق، في ظل خلاف حول التزامات مصرف لبنان على الدولة.
البعد الإنساني الغائب، إذ يتعامل النص مع الأزمة كأرقام محاسبية، متجاهلاً الانعكاسات الاجتماعية: تفاقم الفقر، تراجع الخدمات العامة، وانهيار الثقة بين المواطن والدولة.
القانون لا ينفصل عن السياق السياسي. فالطبقة الحاكمة تسعى إلى تأجيل النقاشات أو تمريرها بشكل يُعفيها من المحاسبة، فيما يضغط بعض النواب لتأجيل إقراره إلى ما بعد الانتخابات. كذلك هناك محاولات لاستغلال الذهب أو أصول الدولة كغطاء بديل عن مواجهة المسؤوليات الحقيقية. هذا كله يعكس استمرار ذهنية الإفلات من العقاب.
المعايير المطلوبة لحل عادل
لكي يكون القانون فعلاً أداة حلّ لا قرار تصفية، لا بد من:
الانطلاق من التدقيق الجنائي الشامل كما نصّ عليه الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي.
اعتماد تسلسل عادل للخسائر يبدأ بالمساهمين وكبار الدائنين، مع حماية صغار ومتوسطي المودعين.
مساهمة جديّة من الدولة عبر توظيف أصولها وإصلاح ماليتها، لا عبر سندات شكلية.
إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على التنفيذ بعيداً عن "الطبخة السياسية".
ربط أي معالجة ببرنامج إعادة هيكلة الدين العام، بحيث تتحرر الدولة من أعباء خدمة دين متضخّم وتعيد توجيه مواردها للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
قانون الفجوة المالية بصيغته الحالية أقرب إلى قرار تصفية مموّه بعبارة الحلّ، يشرعن الخسائر ويكرّس انعدام العدالة. إنه اختبار مباشر لشرعية الدولة: فإما أن تعيد الثقة عبر حماية مواطنيها ومحاسبة المسؤولين، أو تواصل نهج نقل الخسائر إلى الناس وتثبيت منطق الإفلات من العقاب. اللبنانيون لم يعودوا يحتملون الوعود الفارغة، والعالم يراقب بدقة.








