بيروت لم تعد مجرّد عاصمة تعكس تعقيدات الداخل اللبناني، بل تحوّلت إلى ساحة إقليمية ودولية مفتوحة ترتبط مباشرة بحسابات إيران. ومع خسارة طهران لبوابتها الاستراتيجية في سوريا بعد سقوط الأسد، تعاظمت أهمية لبنان كآخر موطئ قدم صلب لها، ما جعله ورقة نفوذ وجودية بالنسبة للجمهورية الإسلامية، في ظل تصاعد المواجهات الإقليمية والدولية.


تشهد بيروت تطورات متسارعة تتجاوز البعد اللبناني الداخلي، إذ باتت العاصمة اللبنانية تمثل بالنسبة لإيران ورقة استراتيجية بالغة الأهمية، خصوصًا بعد أن فقدت طهران نفوذها المتماسك في سوريا عقب سقوط نظام الأسد. فرغم الدعم العسكري والمالي الذي قدّمته طهران لدمشق، إلا أن النظام السوري تآكل داخليًا، ما دفع إيران إلى التشبث أكثر بلبنان كخندق دفاعي أول وآخر قاعدة عربية تحت قبضتها عبر وكلائها.

هذا التوجه بدا واضحًا في التصريحات الإيرانية الأخيرة، حيث أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أنه "لو كان مكان حزب الله لقاتل على عمق 100 إلى 200 كيلومتر ضد إسرائيل"، معتبرًا أن دعم فصائل المقاومة كـ"حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"حزب الله" يدخل في صلب الأمن القومي الإيراني. أما أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، فقد وصف لبنان بأنه "ساحة المقاومة" و"خندق منيع ضد إسرائيل"، خلال مشاركته في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصرالله وهاشم صفي الدين.

هذه التصريحات والزيارات المتكررة للقيادات الإيرانية إلى بيروت، وفق مراقبين، تعكس قلقًا إيرانيًا متزايدًا وتحول لبنان من ساحة نفوذ إلى ضرورة وجودية. غير أن الأزمة المالية في طهران تجعل من تمويل "حزب الله" عبئًا متصاعدًا، وهو ما يفسر تكثيف اللقاءات المباشرة لإيصال رسائل الدعم.

ورغم التمسك العلني بالحزب، تطرح تساؤلات حول النظرة الإيرانية الحالية إليه: هل لا يزال ورقة قوة أم تحوّل إلى عبء استراتيجي؟ الدعوة إلى القتال داخل العمق الإسرائيلي بدت كدعوة لمغامرة غير محسوبة، خصوصًا في ظل أزمات لبنان المتفاقمة.

أما "حزب الله"، فيواصل تموضعه كذراع متقدم للمشروع الإيراني. فبعد قرارات مجلس الوزراء في 5 و7 آب و5 أيلول 2025 بشأن حصر السلاح بيد الدولة، رفض الحزب القرارات واتهم الحكومة بالخضوع للإملاءات الأميركية والإسرائيلية. وتجلّى ذلك أيضًا في تحديه لتعميم الرئيس نواف سلام حول الأملاك العامة، حين أضاء صخرة الروشة بصورة حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، ما اعتُبر إشارة إلى رفض الانصياع للقوانين.

كما سعى الحزب إلى ضرب التماسك بين الرئاسات اللبنانية عبر تصريحات نوابه، إذ أشار النائب حسن فضل الله إلى اتفاق سابق بين الرئيس ميشال عون و"الثنائي الشيعي" يضمن تمثيله في الحكومات، ويقصر تطبيق القرار 1701 على جنوب الليطاني، مع بحث استراتيجيات دفاعية دون الحديث عن سلاح الحزب.

هذه المعادلة تجعل لبنان عالقًا بين أزماته الداخلية الاقتصادية والسياسية، وبين تحوّله إلى ساحة مواجهة إقليمية أكبر من طاقته على الاحتمال. وفي المقابل، تتعامل الولايات المتحدة وأوروبا ومعهما قوى إقليمية مع بيروت باعتبارها خط مواجهة مفتوح مع إيران، ما يجعل أي تسوية لبنانية رهينة بتفاهمات أوسع مرتبطة بالصراع مع طهران.

ويبقى لبنان، تاريخيًا، عصيًا على الإخضاع الكامل رغم الوصاية السورية، والاجتياح الإسرائيلي، والهيمنة الإيرانية، والتدخلات الغربية. فكل من حاول استخدامه كورقة تفاوضية خرج بخسائر فادحة، إذ يشبه الرهان على لبنان محاولة الإمساك بجمر مشتعل: يمنح حرارة آنية لكنه يحرق من لا يعرف متى يتركه. واليوم تبدو إيران كمن تمسك بهذه الجمرة أطول مما يجب، لتقترب أكثر من خطر احتراق أصابعها بها.


المصدر : نداء الوطن