يتصدر الاستحقاق النيابي المرتقب المشهد السياسي اللبناني باعتباره محطة دستورية أساسية لتجديد السلطة، لكنه في الوقت نفسه يواجه ألغاماً سياسية وقانونية تهدد موعده. فبين الخلاف على تعديلات القانون الانتخابي وحسابات القوى المتصارعة، تبرز مخاوف جدية من أن يتحول الموعد المنتظر إلى أزمة جديدة تُضاف إلى أزمات لبنان المتراكمة.


يتقدم الاستحقاق النيابي على روزنامة الأحداث السياسية كأحد أهم الاختبارات المقبلة للدولة ومؤسساتها، إلا أنه يواجه عاصفة من الشكوك والمخاوف من أن يتحول من موعد دستوري مفصلي إلى محطة خلافية قد تؤدي إلى تطييره أو ترحيله إلى أجل غير مسمى.

وعلى الرغم من إصرار القوى السياسية في خطاباتها على الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها، فإن الاشتباك المستمر حول قانون الانتخاب يكشف أن الطريق ما زال مليئاً بالعوائق، وأن الضمانات الكلامية قد لا تكون كافية لتبديد المخاوف.

وقال مرجع نيابي لصحيفة «الأنباء» الكويتية إن جوهر الأزمة يتمثل في الخلاف حول التعديلات المقترحة على القانون النافذ، إذ يتمسك الثنائي الشيعي ومعه التيار الوطني الحر بإبقاء الانتخابات وفق الصيغة الحالية مع استحداث ستة مقاعد مخصصة للمغتربين توزّع مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، على أن يُلزم الراغبون في التصويت لبقية النواب بالقدوم إلى لبنان. في المقابل، تطرح كتل أخرى إلغاء المادة 112 بما يسمح للمنتشرين بالاقتراع حيث يقيمون ولكل مقاعد البرلمان. هذا التباين العميق يعكس حسابات سياسية وانتخابية معقدة، ويجعل من الصعب التوصل إلى صيغة توافقية، خصوصاً أن اللجنة النيابية المعنية لم تحقق أي تقدم ملموس حتى الآن.

وأضاف المرجع أن المشهد يزداد تعقيداً مع دخول حسابات الوقت والمهل الدستورية والإدارية، فالحكومة تؤكد أنها باشرت بالتحضيرات اللوجستية، فيما فتحت وزارة الداخلية باب تسجيل المغتربين لغاية 20 تشرين الثاني المقبل، غير أن هؤلاء لا يعرفون بعد على أي أساس سيصوتون: هل للمقاعد الستة المستحدثة أم للـ 128 نائباً ضمن دوائرهم؟ هذا الغموض يجعل التحضيرات عرضة للتعطيل.

وأوضح المصدر أن رئاسة الجمهورية تصر على أن الانتخابات محطة لا بد منها لإعادة تكوين السلطة، وأن أي تأجيل سيكون بمثابة انتكاسة سياسية وعبء إضافي على العهد، فضلاً عن أنه سيواجه معارضة المجتمع الدولي الذي ينظر إلى الاستحقاق كممر إلزامي لتجديد الحياة السياسية وإعادة الثقة بالمؤسسات. هذا الموقف يتناقض مع رغبة قوى سياسية تراهن على شراء الوقت وإلقاء مسؤولية التعطيل على الخلاف حول القانون، ما يفتح الباب أمام تمديد ولاية المجلس الحالي تحت ذريعة الأمر الواقع.

وأشار المرجع إلى أن السيناريوهات المحتملة لا تزال مفتوحة: فإما أن ينجح الضغط الداخلي والدولي في دفع الكتل للتنازل والتوصل إلى تسوية حول القانون بما يسمح بإجراء الانتخابات في موعدها، وإما أن يستمر الجمود فيؤدي عملياً إلى تطيير الاستحقاق. غير أن أي تأجيل لن يكون بلا ثمن، إذ سيفقد لبنان ما تبقى من رصيد ثقة خارجية ويعمّق أزماته السياسية والدستورية، في وقت هو بأمسّ الحاجة إلى جرعة استقرار ورسائل طمأنة إلى المجتمع الدولي.

وعليه، فإن مصير الانتخابات النيابية يتوقف على قدرة القوى السياسية على كسر حلقة المراوحة وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والفئوية، فالمهل تضيق وأي تلكؤ إضافي قد يجعل التأجيل أمراً واقعاً، ما يضع البلاد أمام أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة أزماتها.


المصدر : الانباء الكويتية