تسعى موازنة لبنان لعام 2026 إلى معالجة العجز من دون فرض ضرائب جديدة، بل عبر تشديد الرقابة على التهرّب الضريبي الذي يُقدّر بـ4.5 مليارات دولار سنويًا. وتركّز الإجراءات على إلزامية دفع 3% من محفظة ضريبة الدخل مسبقًا، وتركيب أجهزة سكانر متطورة في مرفأي بيروت وطرابلس، في محاولة لضبط التهريب والفواتير الوهمية، وسط اعتراضات من القطاع الخاص على انعكاس هذه التدابير على الشركات الشرعية.


طرحت موازنة 2026 مقاربة مختلفة لمعالجة العجز، إذ تجنّبت زيادة الضرائب المباشرة وركّزت بدلًا من ذلك على ضبط التهرّب الضريبي الذي يشكّل أحد أبرز مصادر نزيف الخزينة. وتُقدّر خسائر لبنان من التهرّب الضريبي بنحو 4.5 مليارات دولار وفق تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2023، وهو الرقم الذي استندت إليه مقررات مجلس الوزراء الأخيرة. وتشمل هذه الخسائر مختلف الرسوم، خصوصًا الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية وضريبة الدخل.

أما التهرّب المتأتي من الرسوم الجمركية والـ TVA تحديدًا، والمرتبط بالتهريب، وسوء التقييم عند الحدود، والفواتير المخفضة أو الوهمية، والمؤسسات غير الشرعية، فتتراوح خسائره بين مليار ومليار ونصف المليار دولار. وللتعامل مع هذه المعضلة، تتعاون وزارة المالية مع إدارة الجمارك في اتجاهين: الأول يتعلق بتحصيل الرسوم الجمركية بما يتناسب مع حجم الاستيراد، والثاني يركّز على مواجهة الاقتصاد غير الشرعي والشركات الوهمية.

ويُقدّر حجم الاستيراد السنوي بـ18 مليار دولار مقابل ناتج قومي يتراوح بين 30 و33 مليار دولار، ما يبرز حجم الفجوة بين الاستيراد والإيرادات الفعلية. وتُظهر الأرقام الرسمية أن الإيرادات الجمركية للأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي سجّلت نحو 41 تريليون ليرة، أي ما يعادل 457 مليون دولار، بارتفاع ملحوظ مقارنة بعام 2024. وقد جاء هذا الارتفاع نتيجة تشدد الرقابة، وليس فقط بفعل زيادة قيمة الاستيراد التي ارتفعت من 16.8 مليار دولار في 2024 إلى نحو 18.6 مليار دولار في 2025.

وأشارت إحصاءات الجمارك للنصف الأول من السنة إلى أن قيمة الواردات بلغت 9.61 مليارات دولار مقابل صادرات بقيمة 1.745 مليار دولار، ما أسفر عن عجز تجاري بلغ 7.865 مليارات دولار، أي بنسبة 81.8%. كما ارتفع معدل الرسم الجمركي الضمني من 3.3% إلى 7.3%، في إشارة إلى تشديد آليات التحصيل.

لمكافحة التهرب، أقرّ مجلس الوزراء استيفاء 3% من محفظة ضريبة الدخل مسبقًا، بحيث تُحتسب لاحقًا ضمن ضريبة الأرباح. وتستهدف هذه الخطوة الشركات غير الشرعية التي تختفي بعد عمليات الاستيراد، وتُلزم في الوقت نفسه الشركات الشرعية بدفع كامل مستحقاتها الضريبية. إلى جانب ذلك، ستُركب أجهزة سكانر جديدة في مرفأي بيروت وطرابلس مع نهاية تشرين الأول، بالتوازي مع تحديث نظام المركز الآلي الجمركي وربط الماسحات به. وستتولى شركة CMA تشغيل الأجهزة لست سنوات مقابل اقتطاع 30% من عائدات التشغيل، فيما تحصل إدارة المرفأ على 70%.

ويُتوقع أن تسهم هذه الإجراءات في ضبط عمليات التهريب وتعزيز الشفافية الجمركية، إضافة إلى تحسين إجراءات التفتيش وزيادة الأمان في المرافئ. واعتبر المدير العام لمرفأ بيروت عمر عيتاني أن هذه الخطوة تمثل إصلاحًا حقيقيًا يتجاوز مسألة تغيير الموظفين.

مع ذلك، يواجه هذا التوجه اعتراضًا من القطاع الخاص، حيث عبّر نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش عن رفض الهيئات الاقتصادية لزيادة نسبة الـ3% على الواردات، معتبرًا أنها تشكل عبئًا إضافيًا على المؤسسات الشرعية. وأشار بكداش إلى أن جذور التهرّب تكمن في غياب تسجيل الموظفين في الضمان، وعدم دفع الضريبة على القيمة المضافة، وانتشار المؤسسات غير المرخصة، إلى جانب الفواتير المخفضة من الخارج.

واقترح بدائل أكثر فاعلية، منها إلزام البلديات برفع لوائح بالمؤسسات غير الشرعية، زيادة عدد المفتشين في وزارة المالية، وإقفال المؤسسات غير المرخصة عند طلب الجهات الرسمية. كما شدد على ضرورة تشغيل أجهزة السكانر فعليًا بدل فرض أعباء إضافية على القطاع الخاص.

وختم بكداش بالتحذير من أن استمرار تحميل القطاع الشرعي مسؤولية الإيرادات سيزيد من صعوبة منافسته في الأسواق الخارجية، في وقت يعتبر لبنان الأغلى تجاريًا وصناعيًا في المنطقة.

وبذلك، تسعى الدولة عبر إجراءاتها الرقابية الجديدة ونسبة الـ3% إلى تقليص الفجوة الضريبية، وتعزيز ثقة المجتمع الدولي بقدرتها على الإصلاح، بدل الاعتماد الدائم على القروض الخارجية.



المصدر : نداء الوطن